كتاب الرأي

كلُّ شيءٍ مختلف… حكاية

         ✍️نجد الثبيتي – كاتبة سعودية:

ليست الحياة كتابًا يعيد الصفحة نفسها، بل مخطوطةٌ تتبدّل حروفها كلما ظننا أننا أحسنّا قراءتها. تمضي بنا كأنها تريد أن تعلّمنا أن اليقين ليس نهاية المعرفة، وأن الاختلاف ليس استثناءً في هذا الكون، بل قانونه الأعمق، والنبض الخفي الذي يمنح الوجود اتساعه، ويمنح الروح قدرتها على الدهشة.
نمرّ بالأمكنة ذاتها، فنكتشف أنها لم تعد كما كانت، ثم ندرك بعد حين أنها لم تتغيّر بقدر ما تغيّرنا نحن. فالأماكن لا تحفظ صورها فقط، بل تحفظ النسخ التي كنّاها ونحن نعبرها. لذلك لا يعود الطريق هو الطريق، ولا يعود اللقاء هو اللقاء، لأن الإنسان لا يدخل التجربة مرتين بالقلب نفسه، ولا يخرج منها بالروح ذاتها.
ولعل أعظم أوهامنا أننا نبحث عن التشابه لنطمئن، بينما كانت الحياة منذ البدء تراهن على الاختلاف كي تستمر. فما تشابه حتى ذبل، وما تفرّد إلا واتّسع. ولو كانت الأرواح نسخًا متطابقة، لما اشتقنا إلى أحد، ولو كانت العقول تسير في اتجاه واحد، لما وُلد سؤال، ولا ازدهرت فكرة، ولا اكتملت حضارة. إن الاختلاف ليس مسافةً بين البشر، بل الجسر الذي تعبر عليه المعرفة من عقلٍ إلى آخر.
غير أن الإنسان، في استعجاله للأحكام، كثيرًا ما ينسى أن لكل وجهٍ تاريخًا لا يظهر، ولكل موقفٍ جذورًا لا تُرى، ولكل صمتٍ لغةً لا يسمعها إلا من يُحسن الإصغاء. فنحن لا نقرأ من حياة الآخرين سوى العناوين، بينما تخفي السطور ما لا تستطيع العيون أن تلتقطه. ولهذا يبقى الفهم فعلًا من أرقى أفعال الرحمة، ويبقى الإنصاف ثمرة قلبٍ تعلّم أن يرى ما وراء الظاهر.
وحين نتأمل الطبيعة، ندرك أنها لم تجعل من التشابه معيارًا للجمال. فلا ورقة تستعير ملامح أختها، ولا نجمة تضيء بالطريقة نفسها، ولا غيمة تكرر رحلتها في السماء، ومع ذلك يظل الكون في غاية الانسجام؛ لأن التناغم لا يولد من التطابق، بل من اختلافٍ يعرف مكانه في لوحة الوجود، فيكتمل بها ويُكملها.
حتى الفصول تمضي وكأنها قصائد متجاورة لا تتنافس على الجمال، بل تتقاسمه. فالربيع لا يعتذر عن اخضراره، والشتاء لا يخجل من مطره، والخريف لا يبرر سقوط أوراقه، والصيف لا يستأذن الشمس في دفئها. لكل فصلٍ رسالته، ولكل زمنٍ حكمته، وكذلك الإنسان؛ ليس مطالبًا بأن يشبه أحدًا، بل أن يبلغ أصدق نسخةٍ من ذاته، لأن الأصالة ليست أن نُبهر الآخرين، بل أن نكون صادقين مع أرواحنا.
ومن هنا، يصبح الاختلاف نافذةً نتعرّف من خلالها إلى اتساع الحياة. فكم من فكرةٍ قاومناها، ثم اكتشفنا أنها كانت تفتح لنا بابًا نحو فهمٍ أرحب، وكم من شخصٍ ظننّا أننا لا نشبهه، فإذا به يعلّمنا شيئًا عن أنفسنا لم نكن نعرفه. فالحياة لا تكبر بما يتكرر، بل بما يهزّ يقيننا برفق، ويمنحنا شجاعة أن نعيد النظر، لا في الآخرين فحسب، بل في ذواتنا أيضًا.
وعندما نؤمن أن لكل شيءٍ حكاية، تخفّ قسوة أحكامنا، وتتّسع مساحة الرحمة في قلوبنا. سندرك أن خلف كل ابتسامة معركةً صامتة، وخلف كل نجاح تعبًا طويلًا، وخلف كل هدوء ضجيجًا لا يسمعه أحد. وما نراه من الناس ليس إلا أول السطر، أما بقيته فتحتفظ بها الأيام، ولا تمنح مفاتيحها إلا لمن اختار أن يفهم قبل أن يحكم.
ولأن الذاكرة لا تعشق التكرار، فإنها تحفظ ما كان مختلفًا. فالتشابه يعبر بنا كما تعبر الظلال، أما الاختلاف فيقيم في القلب طويلًا، لأنه يترك أثرًا يشبه الضوء حين يلامس نافذةً كانت مغلقة. ولو تشابهت الأيام، لأصبح الزمن دائرةً بلا معنى، ولو تشابه البشر، لفقدت الحياة قدرتها على الإدهاش، ولأصبحت الحكايات أسماءً مختلفة لقصةٍ واحدة.
لهذا، ليس الاختلاف شرخًا في صورة العالم، بل سرُّ اكتمالها. وليس تباين البشر نقصًا في الخلق، بل وفرةٌ في المعنى، ورحمةٌ وسّعت بها الحياة آفاقها. فكل شيءٍ مختلف… لأن لكل شيءٍ رسالة، ولكل روحٍ نغمتها، ولكل قلبٍ طريقته الخاصة في أن يحب، ويتألم، ويحلم، ويترك أثره قبل أن يمضي.

في الختام:

حين نكفّ عن البحث عمّن يشبهنا، نبدأ باكتشاف الجمال الكامن فيمن يختلف عنّا؛ فالتشابه يورث الألفة، أما الاختلاف فيورث الوعي.
ليست الحياة أجمل لأنها متشابهة، بل لأنها تمنح كل إنسان حكايةً لا يستطيع أحدٌ آخر أن يرويها بالطريقة نفسها

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى