الجزيرة العربية.. تاريخٌ لا يعرف العزلة

✍️ د. سعيد بن عبدالله آل جفشر- كاتب رأي :
اطلعت قبل ساعات قليلة على ما كتبه أستاذ الكتابات العربية القديمة البروفيسور سليمان بن عبدالرحمن الذييب في حسابه بمنصة X (@msa7at1)، وهو من أهل الاختصاص في هذا المجال، فوجدت في طرحه ما يستحق التوقف والثناء؛ لما اتسم به من استناد إلى الشواهد العلمية والنقوش والكتابات القديمة في قراءة تاريخ الجزيرة العربية وعمقها الحضاري.
ومن هنا تأتي أهمية أن يكون الحديث عن تاريخ الجزيرة العربية قائمًا على الدليل العلمي والمصادر والآثار، لا على الانطباعات العابرة أو العبارات العامة.
فالجزيرة العربية لم تكن يومًا هامشًا معزولًا عن حركة الحضارة الإنسانية، بل كانت موطنًا للتفاعل البشري، ومعبرًا للتجارة، ومسرحًا لقيام الممالك والحضارات وتلاقح الثقافات.
وقد استعرض الكاتب شواهد تمتد من أكثر من مليون وثلاثمائة ألف سنة، ثم آثار الإنسان قبل أكثر من ثمانين ألف سنة، والعصور الحجرية، فالألف الرابع والثاني قبل الميلاد، مرورًا بممالك شمال الجزيرة وجنوبها، وطرق التجارة، وتعدد الأقلام واللغات وتطور الخط العربي؛ وكل ذلك شاهد على اتصال الجزيرة العربية بالعالم من حولها.
وما ذكره الكاتب، على أهميته، ليس إلا الجزء الظاهر من جبل الجليد؛ يظهر منه الثلث بينما يخفي البحر ثلثيه، فتاريخ الجزيرة العربية وحضورها الحضاري أوسع بكثير من أن تحيط به مقالة أو شواهد معدودة.
وأعظم أثر للجزيرة العربية وأهلها في التاريخ الإنساني هو دعوة الإسلام التي انطلقت من أرض الحرمين الشريفين، ثم دولة الخلفاء الراشدين، فالدولة الأموية، فالعباسية، وما أعقبها من دول وممالك عربية وإسلامية قادها أبناء هذه الجزيرة، وامتد سلطانها وتأثيرها الحضاري من الأندلس غربًا إلى تخوم الصين شرقًا.
ومن هذه الأرض خرج الدين والدولة واللغة والثقافة، وانطلق تأثير غيّر مجرى التاريخ الإنساني، ثم استمر الحضور السياسي في قلب الجزيرة، من الدرعية في القرن التاسع الهجري، مرورًا بتأسيس الدولة السعودية الأولى، ثم الثانية، وصولًا إلى المملكة العربية السعودية التي ورثت هذا العمق التاريخي والحضاري في أرض الحرمين الشريفين.
لذلك فإن مقولة «خمسة آلاف سنة من العزلة» لا تستقيم أمام هذا الامتداد الأثري والتاريخي والحضاري الهائل.
فإذا كان هذا كله عزلة، فأين يكون الحضور؟ وأين يكون التأثير في صناعة التاريخ؟



