كتاب الرأي

الترقيات العلمية والأكاديمية والترقيات الوظيفية بين المعايير والإنصاف: عندما تتحول المقابلة الشخصية إلى بوابة ضد المتميزين …

✍️ د. عصام عبدالقادر الرحالي – أكاديمي – وكاتب راي :

الترقية الوظيفية ليست مجرد انتقال من درجة إلى أخرى، وإنما هي اعتراف مؤسسي بالخبرة والعطاء والكفاءة، وحافز يدفع الموظف إلى مزيد من التطوير والإنتاجية. ولذلك فإن عدالة وشفافية نظام الترقيات لا تقاس فقط بوجود ضوابط مكتوبة، وإنما بمدى تطبيقها على الجميع بالمعايير نفسها، وبالشفافية التي تجعل الموظف مطمئناً إلى أن مستقبله الوظيفي لا تحدده العلاقات الشخصية أو التوصيات أو الانطباعات الفردية.

وتوضح الضوابط في بعض الجهات والمنظمات التعليم والتدريب أن المفاضلة لا تقوم على معيار واحد، بل تتضمن عناصر متعددة، من بينها التأهيل الزائد، والأقدمية، والتدريب الزائد عن الحد المطلوب، مع وجود ترتيب محدد لحسم حالات التساوي. كما أن الضوابط تنص على إجراءات للإعلان، ومراجعة بيانات المتقدمين، وإعلان البيانات الأولية، ومن باب الشفافية إعلان النتائج النهائية للمتقدمين للترقيات وهذا فعلا الجودة والتحسين والشفافية .

وهنا تبرز قضية تستحق النقاش: هل تكفي المقابلة الشخصية لتحديد استحقاق الموظف للترقية؟

المقابلة الشخصية قد تكون أداة مفيدة عندما يكون الهدف قياس مهارات محددة يصعب قياسها بالوثائق، لكنها تصبح موضع إشكال عندما تتحول إلى مساحة واسعة للتقدير الشخصي، خصوصاً إذا لم تكن أسئلتها ومعايير تقييمها ودرجاتها وآلية توحيدها واضحة ومعلنة لجميع المتقدمين.

فالترقية ينبغي أن تكون قائمة على الكفاءة والجدارة والاستحقاق، لا على مدى قبول شخص للموظف أو قربه من الإدارة أو قوة توصية داخلية أو خارجية. كما أن وجود مجموعات أو دوائر مقربة داخل بعض المنظمات قد يخلق انطباعاً خطيراً لدى الموظفين بأن الوصول إلى الترقية يحتاج إلى “علاقة” أكثر مما يحتاج إلى إنجاز وتحقيق معايير القياس الحقيقية من مهارات وتدريب وانجازات ومساهمات داخلية وخارجية ….

الخبرة الطويلة لا ينبغي أن تتحول إلى سنوات من الانتظار بسبب الأهواء الشخصية او عدم توافر ارقام للترقيات والتحفيز

من أكثر الجوانب التي تستحق إعادة النظر أن الموظف قد يقضي سنوات طويلة في العمل، ويطور مؤهلاته ومهاراته، ويحصل على برامج تدريبية تتجاوز الحد المطلوب، ثم يجد نفسه أمام معيار شخصي وتقييم للجنة اقل من المتقدم والعلاقات الشخصية وهذا قد يختزل سنوات الخبرة والعطاء في مقابلة شخصية قصيرة لا تتجاوز دقائق, قد تكون النتيجة مرتبة ومدونة مسبقا وتم اختيار الشخص / الأشخاص الذين يرغون بترقية وتم اختيارهم وتكون المقابلة للآخرين شكليا فقط لسد ثغرة ومعايير المقابلة …

والضوابط نفسها تعترف بأهمية الأقدمية والتأهيل والتدريب؛ إذ تحتسب الأقدمية بعد استكمال المدة النظامية، كما تدخل المؤهلات الزائدة والتدريب الزائد ضمن عناصر المفاضلة. وهنا تظهر ضوابط الترقيات لاعضاء الحقيقية إذا تم فعلا تحقيق العدل والشفافية والنزاهة والمساواة وهذا قد يكون وأصبح مستحيلا في بعض الجهات والمنظمات ….

ومن هنا فإن السؤال ليس: هل نلغي المقابلة الشخصية؟
بل: كيف نجعلها معياراً موضوعياً لا يستطيع أحد استخدامه لمصلحة شخص أو ضد آخر؟

قد يكون احد الحلول الحل: لجنة مستقلة ومعايير قابلة للقياس بمشاركة بعض الأعضاء في الحضور من بعض الجهات ولا تكون فقط محصورة على مجموعة محددة وقد تكون اقل تأهيلا من نفس المنظمة ويكونوا لديهم شخصنه لبعض المشاركين للمقابله في ظروف العمل …

و من المهم أن تكون لجان الترقيات أكثر استقلالاً وتنوعاً، وأن تضم أعضاء من أكثر من جهة أو تخصص، بما يعزز الحياد ويحد من تضارب المصالح. ويمكن أن يكون من بين أعضائها ممثلون ذوو خبرة من الموارد البشرية والحوكمة والامتثال والفساد و نزاهة، وفق الصلاحيات والأنظمة المعمول بها.

كما ينبغي أن تكون هناك مصفوفة تقييم معلنة مسبقاً، تحدد وزن كل عنصر، مثل:

* المؤهل العلمي.
* سنوات الخبرة والأقدمية.
* التدريب والتطوير المهني.
* الأداء الوظيفي والإنجازات.
* المهارات المهنية والتخصصية.
* المقابلة الشخصية، إن كانت مطلوبة، وبوزن محدد.
* أي اختبارات مهنية أو عملية مرتبطة بطبيعة الوظيفة.

والأهم أن يكون لكل درجة في المقابلة مبرر قابل للتوثيق والمراجعة، وألا تترك النتيجة لتقدير شفهي غير قابل للتحقق.

التدريب الزائد يجب أن يكون ميزة حقيقية

إذا كان النظام يمنح نقاطاً للتدريب الزائد، فمن المهم أن تكون طريقة احتساب الساعات والأيام واضحة وعادلة، وألا يصبح تضخم عدد الدورات وحده معياراً للتفوق.

فالمعيار الأفضل ليس عدد الشهادات فقط، وإنما مدى ارتباط التدريب بالوظيفة، وجودته، وتطبيق أثره في العمل. فالهدف من التدريب تطوير الموظف، وليس جمع أكبر عدد ممكن من الشهادات.

الشفافية جزء من العدالة

من أهم ضمانات العدالة أن يعرف المتقدمون نتائج المفاضلة بصورة واضحة، وأن تعلن النتائج وفق الآلية النظامية، مع توفير وسيلة للاعتراض أو التظلم ومراجعة الأخطاء.
فالضوابط تتضمن بالفعل الإعلان عن البيانات الأولية للمتقدمين وإتاحة مراجعتها، كما تنص على إعلان النتائج النهائية بعد استكمال إجراءات الاعتماد . من باب الشفافية والعدل والمساواة … وهذا المبدأ ينبغي ألا يكون إجراءً شكلياً؛ بل ممارسة حقيقية تعزز ثقة الموظف في النظام.

الترقية حافز وليست مقبرة للخبرات

الموظف الذي أمضى سنوات طويلة في خدمة منظمته، وطوّر مؤهلاته، وشارك في التدريب، واكتسب الخبرات، وقدم العطاء، لا ينبغي أن يشعر بأن سنوات خدمته أصبحت عبئاً عليه أو أن مستقبله الوظيفي توقف بسبب معيار شخصي غير واضح.

الترقية العادلة لا تعني أن يحصل الجميع على الترقية، وإنما تعني أن يحصل الجميع على فرصة عادلة للمنافسة، وأن تكون النتيجة مبنية على معايير موحدة قابلة للقياس والتحقق والمراجعة.

إن تطوير أنظمة الترقيات لا يحتاج فقط إلى إضافة معايير جديدة، بل يحتاج إلى إغلاق المساحات التي تسمح بالعلاقات الشخصية والشللية والتوصيات غير المنضبطة بالتأثير في القرار.

فالمنظمات الناجحة هي التي تجعل الموظف يؤمن بأن مستقبله الوظيفي تصنعه كفاءته وإنجازه وخبرته، لا قربه من أصحاب القرار.

وعندما تصبح الترقية مرآة حقيقية للجدارة، فإنها تتحول إلى أقوى أدوات التحفيز؛ أما عندما يشعر الموظف أنها محكومة بالانطباعات والعلاقات، فإنها تتحول من حافز للعطاء إلى سبب للإحباط وفقدان الثقة وفقد الشغف والعمل والإبداع والتطوير بالمنظمة ..

ختاماً: العدل أساس الاستحقاق

وفي الختام، فإن العدالة في الترقيات ليست مطلباً شخصياً، ولا امتيازاً لفئة دون أخرى، وإنما هي حق مؤسسي وأخلاقي، وأساس لبناء بيئة عمل يشعر فيها الجميع بأن الكفاءة والخبرة والعطاء هي الطريق الحقيقي للتقدم.

قال الله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾
سورة النساء: 58.

وقال رسول الله ﷺ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، رواه مسلم.

فالعدل لا يعني أن يحصل الجميع على الترقية، وإنما يعني أن يحصل الجميع على فرصة متساوية، ومعايير واضحة، ومفاضلة نزيهة، ونتائج قابلة للفهم والمراجعة، بعيداً عن العلاقات الشخصية أو التوصيات أو الانطباعات غير المنضبطة.

إن سنوات الخبرة والعطاء ليست رقماً في ملف الموظف، بل هي رصيد من المعرفة والتجربة والإنجاز. وإذا تحولت أنظمة الترقيات إلى بيئة تُهمِّش هذه الخبرات أو تُضعف التحفيز والطموح، فإن الخاسر في النهاية ليس الموظف وحده، بل المنظمة نفسها.

فالترقية العادلة تصنع الحافز، والعدالة تصنع الثقة، والشفافية تصنع الانتماء؛ أما الظلم والتهميش فيصنعان الإحباط، ويحوّلان سنوات العطاء إلى ما يشبه “مقبرة للخبرات”.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى