«أمي توفّت يا فدوى»… بعض الكلمات لا تُسمع، بل تُعيدنا إلى الوجع

✍️فدوى الطيار – كاتبة سعودية :
هناك كلمات لا تمرّ علينا كما تمرّ بقية الكلمات. كلمات تحمل في داخلها ذاكرة كاملة، وتعيدنا في لحظة واحدة إلى مكان ظننا أننا ابتعدنا عنه منذ سنوات.
قالها لي زميلي: «أمي توفّت يا فدوى».
توقفت عندها طويلًا.
لم تكن بالنسبة لي مجرد جملة عابرة، ولم أسمعها ككلمة قالها شخص يتحدث عن فقده. شعرت وكأنها وصلت إلى مكان عميق جدًا بداخلي، إلى مكان لم أكن مستعدة للعودة إليه.
في لحظة واحدة، وجدتني أعود إلى أكثر من سبع أو ثماني سنوات، إلى اليوم الذي توفّت فيه أمي. إلى اليوم الذي انكسر فيه شيء بداخلي، إلى اليوم الذي شعرت فيه أن قلبي لم يعد كما كان، وأن جزءًا مني رحل معها.
أحيانًا نعتقد أن مرور السنوات يعني أننا تجاوزنا الفقد. نعيش، نضحك، نعمل، نلتقي بالناس، ونستمر في حياتنا. لكن الحقيقة أن بعض الأحزان لا تنتهي، نحن فقط نتعلم كيف نحملها معنا.
تبقى الذكرى في مكان ما داخلنا، ثم تأتي كلمة واحدة، أو موقف عابر، أو صوت، لتعيد كل شيء من جديد.
«أمي توفّت»…
كم تبدو هذه الجملة قصيرة لمن يسمعها، وكم هي ثقيلة على قلب من عاشها.
هي ليست مجرد خبر. هي فقدان حضن، وصوت، ووجود، وأمان. هي أن تعرف أن الإنسانة التي كنت تحبها وتعشقها، والتي كان وجودها جزءًا من تفاصيل يومك وحياتك، لم تعد موجودة أمامك.
كم يمكن لإنسان أن يقول: «أمي توفّت»؟
وكم يمكن للإنسان الذي يسمعها أن يدرك حجم الألم المختبئ خلف هذه الكلمات؟
ربما لا نعرف دائمًا ماذا نقول لمن فقد أمه. وربما لا توجد كلمات قادرة على تخفيف هذا النوع من الوجع. لكننا نستطيع أن نفهم أن بعض الجمل لا تحتاج إلى إجابة، بقدر ما تحتاج إلى قلب يستمع، ودعاء صادق، ومساحة من الرحمة.
حين سمعت زميلي يقولها، لم أكن أسمع فقده فقط، بل سمعت فقدي أنا أيضًا.
سمعت ذلك اليوم القديم. رأيت أمي في ذاكرتي. شعرت بذلك الفراغ الذي تركته، وبذلك الحنين الذي لم يتوقف، حتى وإن تعلمت كيف أعيش معه.
رحم الله أمي.
رحم الله القلب الذي كان وطنًا لي، والروح التي غادرت الدنيا وبقيت في داخلي. رحم الله أمي وغفر لها وسامحها، وغسلها بالماء والثلج والبرد، وأنار قبرها، وجعلها في نعيم لا ينقطع.
أمي رحلت منذ سنوات، لكنني أدركت أن الفقد لا يبتعد كثيرًا كما نظن. أحيانًا تكفي كلمة واحدة لتعيدنا إلى اليوم الذي انكسر فيه كل شيء.
اللهم اجعل اشتياقي لها دعاءً يصلها، ورحمةً تغمرها، ونورًا يضيء قبرها.
اللهم اجمعني بها في جنات النعيم، حيث لا فراق ولا وجع ولا رحيل.
رحم الله كل أم رحلت، وجبر قلوب أبنائها الذين ما زالوا يفتقدونها كل يوم💔
للتواصل : [email protected]



