كتاب الرأي

( قصر مارق أصالة وتاريخ

      ✍️نايف الخمري – كاتب سعودي :

ما أكثر تلك المعالم التي خبأ بريقها وتوارت خلف النسيان وفقدت وهجها وخلت مع مرور الأعوام والأيام وتغيرت الملامح وتبدلت المعالم فأنزوت في عُمق النسيان ومازالت موجودة ولكن جار عليها الزمان بفعل الإهمال وعدم الاهتمام والتي كانت على مد السمع والبصر مليئة بالكبرياء والشموخ تصحو وتنام على إيقاع الحياة الجميلة، أستوقفني قصر مارق في قرية رغدان الشامخة برجالها الميامين وكأنه بُنيان غابر وهو يقاوم الاندثار جراء عوامل الزمن لعقود طويلة ومَازَال يَقِفُ شامخاً كحارسٍ أمينٍ عَلَى ذاكرة وتاريخ قرية رغدان، يمتد بجذوره وتاريخه وإرثه في الماضي الجميل وجدرانه تنبض بالأصالة وفي صمته هيبةً ووقار، قصر يحكي قصة البهاء والجمال والتفرُد وألوان الحياة التي كانت تلمع من داخله فيما مضى لكن الزمن أخذ منه الكثير إلا أنه لازال يحتفظ بطابعه التاريخي التقليدي، هذا القصر الأنيق فريد الزمان والجمال الذي يرتكز في هذه القرية العتيقة يُجبرك على التوقف أمامه كثيراً لتأمل روعته وأصالته وعراقته التي تعكس جمال المكان وروحه، لهذا القصر قيمة تاريخية وأثرية كبيرة وسياسية، هو حضارة وتاريخ من الأصالة والكرم لأُناس عاشوا فيه لهم قصص وحكايات معه كانوا يحملون عراقة التاريخ وأصالة الماضي لقد غابوا لكن ظلهم لازال ينبض في قلب المكان،
هذا القصر يعتبر عنوانا حضارياً مهماً لتراث وأصالة وعراقة رغدان وسوقها التاريخي وتأكيداَ على العٌمق التاريخي والإرث الحضاري لهذه القرية وهويتها الثقافية والأثرية وتاريخ قصر مارق المُمتد عبر مئات السنين لم يكن يومًا مُجرد حكاية مكان في القرية بل حكاية جيل ومرآة للذاكرة وشاهد على حضارة وحياة امتدت عبر أجيال، كان بمثابة مركزاً إدارياً مهماً تُدار منه دفة الحكم في الماضي بداية الدولة السعودية وما قبلها وكان أيضاً مقراً للحكم وللفصل القضائي خاصة في تلك الفترة وسكناً للقائمين بأعمال الدولة في ذلك الوقت من الذين لهم مكانتهم الاجتماعية والوظيفية وكان موقعه المُميز وشُموخه وجمال المكان مصدراً للسُلطة، شيده الشيخ مارق ـ رحمه الله ـ بحنكةٍ واقتدار وفق نظام هندسي دقيق يُحافظ على البناء من السقوط ويُزين المكان ويُضفي عليه بهاء الزمان وهو يبدو لك شامخاً وشارفاً من ربوته على سوق رغدان التاريخي، إنه قصر مارق الذي يُعد من أبرز المباني التاريخية في قرية رغدان ويحتوي القصر على أجنحة واسعة للاستقبال وغرف كبيرة. ويقول الأستاذ راشد عبد الله مله كان بناء القصر بتمويل من جده الشيخ مارق الذي كان من كبار التجار في تلك الفترة وقد شيده وبذل من أجله كل ما يستحق من وقت وجُهد ومال بكل ما يحمله من قوة وعزيمة وإصرار حتى بات معلماً بارزاً من معالم قرية رغدان التراثية، ويُعدّ من أقدم المباني الحجرية في قرية رغدان حيث تمّ بناؤه باستخدام الحجارة المحلية والطين .وكانت جميع مواد البناء مصدرها البيئة المحلية التي تستخدم قديماً في البناء وجاء ذلك على يد (مُعلمي البناء) من أبناء آل حميد من قرية الطويلة المجاورة لقرية رغدان ويتكون من جزئن ملتصقين كل جزء عبارة عن بناء من ثلاثة ادوار الدور الأرضي وكل منهما مستقل بذاته بينما الدور الثاني بداخل كل منهما درج داخلي ينفذ إلى الدور الثالث ويتصلان ببعضهما بباب يسمح بتحكم ذاتي لهذا الدور لكل جهة منه ومن عجائب القصر في الدورين الاخرين يتدرج عرض الجدار في الاتساع من الأسفل الى الأعلى بحيث تتم المحافظة على البناء من السقوط حتى في حال سقوط السقف مما يدل ذلك على صلابة البناء وقوته على الصمود في وجه الظروف
المناخية واستمراره لأكثر من قرن ونصف وجدرانه لا تزال قائمة ومُتماسكة رغم سقوط جزء من الأسقف وهذه هي الطريقة التقليدية المتوارثة في بناء الأسقف والتي وصفها ابن خلدون في مقدمته،
ويصف القصر بأنه تراث أصيل وليس كغيره من المباني بل يرمز إلى بناء القلاع ويعتبر هو الأضخم على الإطلاق مقارنة بالمباني الأخرى في القرية التي بٌنيت في تلك الفترة وقد تملكني الانبهار من تصميمه العجيب الذي تم استلهامه من الموروث الثقافي الأصيل كما بين أنه يتبع القصر مبنى آخر من دورين الدور الأول للضيافة والدور الأرضي لتخزين الأعلاف ومرافق الخدمات الأخرى، وحين يتم تطوير القصر وإعادة تأهيله من قبل هيئة التراث التي تسلمته لكي تحافظ عليه سوف يزداد جمالاً وألقاً ويجب الاهتمام به من حيث الشكل الجمالي للتراث وسوف يتم إنعاش ذاكرة القرية ليٌعيد إليها بعض من ألقها وجمالها وبهائها وفتنتها وإحياء تراثها الغني بقيمه ومعانيه الرفيعة وتعد هذه الخطوة من هيئة التراث من المبادرات الهادفة إلى صون التراث المعماري في منطقة الباحة وحمايته لكي لا يندثر مع الزمن لأهميته الاجتماعية والبيئية وتعزيزه بما يُسهم في حفظ روح التراث وحماية مكونات الهوية الثقافية لهذه المنطقة من الاندثار وصون الذاكرة.

تلويحة: ـ
قصر مارق لم تكن أهميته فقط في تخطيطه العمراني بل في قيمته الاجتماعية والثقافية والإدارية في ذلك الزمن وسوف يبقى رمزاً للشموخ وعنوانًا للجمال والأصالة والانتماء .

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى