حين تختل أولويات الرحمة… إعادة توجيه العاطفة

✍️أ. د. محمد الشايع الشايع – كاتب أكاديمي بجامعة الملك سعود :
في توجيه رباني يقول تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾
ومع ذلك المتتبع لسلوك وقيم المجتمعات يرى نماذج وانماط سلوكية وممارسات انسانية يصعب تأصيل مكانها، وسبب حدوثها، وقد يعزى السبب لم تعد المجتمعات تعيش داخل حدودها الجغرافية كما كانت في الماضي، فقد اختزلت وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي العالم في شاشة صغيرة، وأصبح الإنسان يشاهد يوميًا أنماطًا مختلفة من السلوك والحياة في أنحاء العالم، ويتأثر بها، بل ويسعى أحيانًا إلى محاكاتها دون أن يتساءل عن مدى توافقها مع منظومته الدينية والاجتماعية. وتؤكد نظرية التعلم الاجتماعي أن الإنسان يكتسب كثيرًا من سلوكياته بالملاحظة والتقليد، خاصة عندما يرى سلوكًا يحظى بالانتشار والإعجاب والتعزيز. وأخطر ما تنقله وسائل التواصل ليس المعلومة فحسب، بل الأولويات، فما يتكرر أمام الإنسان يتحول مع الزمن إلى سلوك، ثم إلى قيمة، ثم إلى أسلوب حياة.
ومن بين هذه التحولات برزت ظاهرة التوسع في اقتناء الحيوانات الأليفة داخل المنازل، وهي في ذاتها ليست محل نقد، فالرفق بالحيوان خلق إسلامي أصيل، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الإحسان إليه سببًا للأجر والمغفرة. لكن القضية تبدأ عندما تتحول بعض صور العناية بالحيوان إلى بديل عن حقوق أعظم أوجبها الله، أو عندما يُستنزف الوقت، والمال، والعاطفة في مسارات حسنة في أصلها، بينما ينتظر والدان بر أبنائهما، وتفتقد أسرة دفء الاجتماع، وتنقطع أرحام، ويكبر أطفال وهم أحوج ما يكونون إلى الحنان والاحتواء.
لقد رتب الإسلام أولويات الرحمة ترتيبًا بديعًا، فبدأ بتوحيد الله، ثم بر الوالدين، وصلة الرحم، وبناء الأسرة، وتربية الأبناء، والإحسان إلى الناس، ثم وسّع دائرة الرحمة لتشمل الحيوان وسائر المخلوقات. فالرحمة ليست عاطفة مجردة، وإنما مسؤولية تُؤدى وفق ميزان شرعي يحقق مصلحة الفرد والمجتمع.
وتؤكد نظريات السلوك أن الإنسان لا يفقد حاجته إلى العطاء والرعاية، وإنما يعيد توجيهها إلى حيث يجد الإشباع النفسي. فإذا ضعفت الروابط الأسرية، وتأخر الزواج، وتراجعت صلة الرحم، وانشغل الأبناء عن والديهم، فإن العاطفة تبحث عن منافذ أخرى. ومن التحولات الاجتماعية اللافتة أن بعض الناس أصبح ينفر من تعقيدات العلاقات الإنسانية وما يصاحبها من خلافات، وعتاب، والتزامات، ورسائل لا تنتهي، فيبحث عن علاقة تمنحه الألفة دون أن تطالبه بشيء، وتمنحه الشعور بالاهتمام دون أن تفرض عليه مسؤوليات الأسرة أو صلة الرحم أو تحمل الواجبات. وهنا قد يجد بعض الأفراد في الحيوان الأليف مساحة لإشباع جانب من احتياجاتهم العاطفية، غير أن هذا الإشباع، مهما كان أثره النفسي، لا يمكن أن يكون بديلًا عن العلاقات الإنسانية التي تقوم على المودة، والرحمة، والتكافل، وتحمل المسؤولية. لقد أصبحت بعض العلاقات الحديثة تبحث عن الراحة، بينما تقوم العلاقات الإنسانية الأصيلة على المسؤولية، والفرق بينهما هو الفرق بين إشباع شعور عابر، وبناء مجتمع مستقر.
كما أن أنماط الإنفاق تعكس منظومة القيم في المجتمع. فكل مال، ووقت، وعاطفة تُصرف بعيدًا عن أولويات الأسرة والمجتمع، تترك فراغًا في موضع آخر. وليس المقصود الاعتراض على الإنفاق المشروع، وإنما إعادة توجيهه ليكون أكثر أثرًا في بر الوالدين، وتماسك الأسرة، وتيسير الزواج، وتنشئة الأبناء، لأن الاستثمار في الإنسان هو أعظم استثمار يمكن أن يقدمه المجتمع لنفسه.
ومن الجوانب التي تستحق الاهتمام أيضًا، أن اقتناء الحيوانات داخل المنازل يستلزم وعيًا صحيًا ومسؤولية كبيرة. فالطب البيطري والصحة العامة يثبتان وجود أمراض مشتركة بين الإنسان والحيوان، قد تنتقل عند غياب الرعاية البيطرية أو الإهمال في الاشتراطات الصحية. ولذلك فإن الرحمة الحقيقية تقترن دائمًا بالمسؤولية، امتثالًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار».
إن بيوت المسلمين عُرفت عبر تاريخها بدفء الأسرة، وبر الوالدين، وصلة الرحم، وذكر الله، ودعوات الآباء والأمهات. تلك هي البيئة التي تصنع السكينة، وتبني الشخصية، وتغرس الانتماء، وهي معانٍ لا يمكن أن يعوضها أي بديل مهما بلغت مكانته في النفس.
إن إعادة توجيه العاطفة مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، وتمتد إلى منابر المساجد، وخطب الجمعة، والدروس العلمية، والمحاضرات والندوات، والمؤسسات التعليمية، ووسائل الإعلام المرئي والمسموع، والإعلام الإلكتروني، ومنصات التواصل الاجتماعي. فهذه المؤسسات قادرة على إعادة بناء الوعي، وتعزيز ثقافة بر الوالدين، وصلة الرحم، وتحمل المسؤولية، وتكوين الأسرة، وإبراز هذه القيم بوصفها عنوانًا للرقي الحضاري والالتزام الديني.
وتؤكد نظريات تعديل السلوك أن الإنسان يكرر السلوك الذي يحظى بالتقدير والتعزيز. فإذا أصبحت قيم الأسرة، وبر الوالدين، وصلة الرحم، والعطاء للإنسان، نماذج يحتفي بها الإعلام، ويعززها الخطاب الديني، وتتبناها المؤسسات التربوية، فإن المجتمع سيعيد توجيه عاطفته تلقائيًا إلى مساراتها الطبيعية، لأن السلوك الإيجابي عندما يتحول إلى ثقافة مجتمعية، يصبح أكثر رسوخًا وانتشارًا من أي توجيه عابر.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمعات ليس نقص الرحمة، وإنما اختلال أولوياتها. فالرحمة التي لا تبدأ بالوالدين، ولا تعبر إلى الأسرة، ولا تصل إلى الرحم، ولا تحتضن الأبناء، هي رحمة فقدت بوصلتها، مهما اتسعت دوائرها.
لقد أراد الإسلام أن تكون الرحمة بناءً متدرجًا، يبدأ من أقرب الناس، ثم يتسع ليشمل المجتمع، ثم يمتد إلى الحيوان وسائر المخلوقات. فإذا استقامت هذه الأولويات، أصبح الإحسان إلى الحيوان امتدادًا لقلب عامر بالإيمان، لا تعويضًا عن فراغ عاطفي، ولا بديلًا عن مسؤولية اجتماعية.
فالمجتمعات لا تُقاس بحجم العاطفة التي تملكها، بل بحكمة توجيهها، لأن الإنسان سيظل أولى الناس بعاطفة الإنسان، ثم تمتد بعد ذلك الرحمة إلى كل مخلوق، فتكتمل بذلك رسالة الإسلام في بناء الإنسان، وبناء الأسرة، وبناء المجتمع.
للتواصل : [email protected]



