إقتباس ..لا تقديس

✍️ رشيد محمد آل جلي – كاتب سعودي :
ليس عيباً أن نستشهد بعبارةٍ لفيلسوف، أو نقتبس رأياً لعالمٍ متخصص في مجاله، سواء كان من الشرق أم من الغرب؛ فالمعرفة الإنسانية تراكمٌ مشترك، والحكمة ليست حكراً على أمةٍ دون أخرى. ومن علامات النضج الفكري أن ينفتح الإنسان على تجارب الآخرين، فيقرأ لهم، ويستفيد منهم، ويحاور أفكارهم.
لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول تلك الأقوال إلى مسلماتٍ لا يجوز الاقتراب منها، وكأنها نصوصٌ مقدسة، مع أنها في حقيقتها اجتهادات بشرية، يعتريها ما يعتري كل عملٍ بشري من صوابٍ وخطأ، ونقصٍ وكمال. فكلُّ إنسانٍ يؤخذ من قوله ويُرد، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم
ولعل من أبرز مظاهر الخلل أن بعض الكُتّاب والمتحدثين يكتفون بذكر اسم فيلسوفٍ أو عالمٍ مشهور، وكأن مجرد الاسم يكفي لإغلاق باب النقاش. فتغدو الشهرة بديلاً عن البرهان، ويصبح بريق الاسم أقوى من قوة الفكرة نفسها.
الفكرة لا تكتسب قيمتها من قائلها، بل من منطقها، وأدلتها، وقدرتها على تفسير الواقع والإجابة عن الأسئلة. وكم من رأيٍ قاله مشهورٌ أثبت الزمن ضعفه، وكم من فكرةٍ طرحها مغمورٌ أصبحت فيما بعد مرجعاً يُعتد به. لذلك فإن الاحتكام إلى سلطة الأسماء لا يختلف كثيراً عن أي صورةٍ أخرى من صور التقليد، وإن ارتدى ثوب الحداثة والثقافة.
ومن المفارقات أن بعض من يرفض تقليد الموروث دون تمحيص، يقع في تقليدٍ من نوعٍ آخر، حين يتعامل مع بعض المفكرين والفلاسفة بوصفهم مراجع نهائية لا تُناقش. وهنا لا يعود العقل ناقداً، بل يتحول إلى ناقلٍ أمين، يردد الأفكار أكثر مما يفحصها.
ولست أدعو إلى التقليل من شأن العلماء والمفكرين، فهم أصحاب فضل، وقد أفادت الإنسانية من نتاجهم العلمي والفلسفي، لكن الفرق كبير بين الاحترام والتقديس. فالاحترام يفتح باب الاستفادة، أما التقديس فيغلق باب النقد، ويجمد الفكر، ويجعل الإنسان أسيراً للأسماء بدلاً من أن يكون تابعاً للحقيقة.
إن الحضارات لا تتقدم بكثرة الاقتباسات، وإنما بقدرة أبنائها على التفكير المستقل، والمناقشة الواعية، والمراجعة المستمرة. فالعقول الحية لا تبحث عن أسماءٍ تستند إليها، بل عن حقائق تهتدي بها.
ويبقى المعيار الأهم هو أن تكون الحقيقة أكبر من الأشخاص، وأن يكون الدليل مقدماً على الشهرة، وأن يبقى العقل حراً في قبول الفكرة أو ردها، أيّاً كان قائلها. فحين نؤمن بذلك، نكون قد انتقلنا من ثقافة الانبهار بالأسماء إلى ثقافة احترام العقل، وهي الخطوة الأولى في طريق النهضة الفكرية الحقيقية.



