كتاب الرأي

ما يُزرع داخل النفس… ينبت في ملامحنا

  ✍️ طاهرة الشامسي – كاتبة عمانية :

ليست الملامح مجرد تفاصيل رسمتها الطبيعة على وجوهنا، وليست الابتسامة مجرد انحناءة عابرة على الشفاه، ولا العينان نافذتين تنقلان ما نراه فقط، بل هما مرآة دقيقة لما يسكن أعماقنا. فكل ما نغرسه في أرواحنا، يومًا بعد يوم، ينمو بصمت، حتى يأتي الوقت الذي يزهر فيه على وجوهنا، ويظهر في كلماتنا، ونبرات أصواتنا، وطريقة تعاملنا مع الآخرين.

من يزرع الطمأنينة، يرى الناس في وجهه سكينة لا تصنعها مساحيق الحياة، ولا تخفيها عواصفها. ومن يزرع المحبة، يجد قلبه يسبق لسانه إلى اللين، وتسبق عيناه يديه إلى الاحتواء. ومن يزرع الرضا، يمشي في الدنيا خفيفًا، لا لأنه لا يحمل همًا، بل لأنه تعلم أن يحمل همومه بقلبٍ مؤمن، يعرف أن لكل ضيقٍ فرجًا، ولكل ليلٍ فجرًا.

أما من يسقي قلبه بالحقد، فإن الحقد لا يبقى حبيسًا في الداخل، بل يتسلل إلى ملامحه، فيقسو وجهه، ويضيق صدره، ويصبح عبوسه لغةً لا تحتاج إلى ترجمان. ومن يغذّي نفسه بالحسد، يرهقه النظر إلى نعم الآخرين أكثر مما يفرحه ما بين يديه، فيذبل قبل أن يذبل غيره.

إن النفس أرضٌ خصبة، لا تعرف الفراغ. فإن لم تزرعها خيرًا، نبت فيها ما لا تحب. وإن لم تملأها بالأمل، تسلل إليها اليأس. وإن لم تعطرها بذكر الله، أثقلتها ضوضاء الدنيا حتى تنسى معنى السكينة.
ولعل أجمل ما في الإنسان أنه يملك حق اختيار البذور التي يغرسها في داخله. يستطيع أن يزرع التسامح بدل الانتقام، والعفو بدل القسوة، والامتنان بدل التذمر، وحسن الظن بدل الشك.

وكل بذرةٍ صالحة يغرسها اليوم، سيحصد أثرها غدًا في قسمات وجهه، وفي راحة قلبه، وفي محبة الناس له.
كم من وجهٍ لا يحمل ملامح الجمال المتعارف عليها، لكنه إذا أقبل أضاء المكان بروحه! وكم من وجهٍ اجتمعت فيه أسباب الوسامة، لكنه بدا ثقيلًا لأن داخله امتلأ بالضيق والأنانية والكِبر. فالجمال الحقيقي يبدأ من الداخل، ثم يشق طريقه بهدوء إلى الخارج، حتى يصبح نورًا يراه الجميع، وإن لم يعرفوا سرّه.

ولهذا، لا تنشغل كثيرًا بتغيير صورتك في المرآة، قبل أن تنظر إلى صورتك في قلبك. أصلح الداخل، فإن الخارج سيتبعه تلقائيًا. داوِ روحك بالقرآن، واسقِها بالدعاء، وربِّها على الصبر، وألزمها حسن الخلق، وأبعد عنها كل ما يلوث صفاءها. فما ينبت في القلب، لا بد أن تزهر آثاره على الوجه.

وفي كل صباح، تذكّر أنك تغرس شيئًا جديدًا في نفسك. قد تكون كلمة طيبة، أو صدقة خفية، أو دعوة صادقة، أو عفوًا عن مسيء، أو دمعة خشوع بين يدي الله. وكل ذلك لن يضيع، بل سيعود إليك يومًا في هيئة نورٍ يكسو ملامحك، وراحةٍ تسكن قلبك، وقبولٍ يضعه الله في قلوب الناس لك.

ختامًا…
ازرع في نفسك ما تحب أن يراك الناس به، وما تحب أن تلقى الله به. ازرع الرحمة، والصدق، والحياء، والأمل، واليقين، وحب الخير، فإن الأرواح لا تخفي ما فيها طويلًا، والوجوه لا تستطيع أن تكذب إلى الأبد.
فما يُزرع داخل النفس… لا يموت في أعماقها، بل يكبر بصمت، ثم يخرج يومًا مزهرًا في الملامح، ناطقًا في الكلمات، حاضرًا في المواقف، شاهدًا على حقيقة الإنسان، مهما حاول أن يخفيها.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى