رؤية الهلال: من العين المجردة إلى الذكاء الاصطناعي

✍️م. ماجد ابوزاهرة- كاتب سعودي:
يشهد علم الفلك تطوراً هائلاً في وسائل الرصد الفلكي ومع هذا التطور يبرز سؤال يتكرر كل عام مع اقتراب شهر رمضان هل تقتصر الرؤية الواردة في قول النبي صلى الله عليه وسلم (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) على العين المجردة أم تشمل التلسكوبات الحديثة والكاميرات الرقمية والأنظمة الذكية؟
من المهم التأكيد أولًا أن هذا السؤال من المسائل الاجتهادية التي اختلف فيها العلماء ولا يصح تصوير أحد الرأيين على أنه الوحيد الذي لا يحتمل غيره. الرؤية في زمن النبوة عند نزول التشريع كانت العين المجردة هي الوسيلة الطبيعية لرصد الهلال ولذلك فهم جمهور الفقهاء أن المقصود بالرؤية هو الرؤية البصرية المعتادة واستدلوا بظاهر الحديث ورأوا أن الأصل في إثبات دخول الشهر هو مشاهدة الهلال كما يراه الإنسان بعينه.
لكن الحديث الشريف لم يذكر أداة محددة للرؤية وإنما قال: (لرؤيته) مما فتح باب الاجتهاد حول معنى الرؤية ووسائل تحقيقها مع تطور العلوم.
مع ظهور المناظير والتلسكوبات تغيرت الوسائل لكن الهدف بقي واحداً وهو التحقق من وجود الهلال. يرى عدد من العلماء والباحثين المعاصرين أن التلسكوب لا يخلق الهلال ولا يغير حقيقته وإنما يساعد العين على رؤية جرم موجود بالفعل وهو يشبه استخدام النظارات الطبية لمن ضعف بصره فالوسيلة تغيرت لكن فعل الرؤية بقي قائماً ولكن يرى بعض العلماء أن الأصل هو الالتزام بالرؤية البصرية المعتادة لأن النص ورد في سياق مخاطبة عامة الناس في زمن كانت هذه هي وسيلتهم المعروفة.
تطور علم الفلك وظهرت كاميرات CCD وCMOS ذات الحساسية العالية والتي أصبحت تستخدم على نطاق واسع في التصوير الفلكي. هذه الكاميرات تستطيع التقاط صور متعددة للهلال في ظروف صعبة جداً ثم تجمع هذه الصور باستخدام تقنية تعرف باسم تكديس الصور حيث يتم دمج عشرات أو مئات اللقطات بهدف تقليل التشويش وزيادة وضوح التفاصيل. وقد تكشف هذه التقنية أهلة شديدة الخفوت لا تستطيع العين البشرية رؤيتها مباشرة بل قد لا تكون مرئية حتى عند النظر عبر التلسكوب لكنها تظهر بعد المعالجة الرقمية للبيانات التي التقطها الحساس الإلكتروني.
هنا يظهر سؤال جديد لم يكن موجوداً قديماً: هل الصورة الناتجة عن معالجة رقمية تعتبر “رؤية” بالمعنى المقصود في الحديث أم أنها وسيلة علمية لإثبات وجود الهلال فقط؟
يرى بعض الباحثين أن هذه التقنيات لا تختلف كثيراً عن استخدام أدوات بصرية مساعدة لأنها تكشف ضوءاً حقيقياً صادراً من الهلال. بينما يرى آخرون أن المعالجة الرقمية تنقل الأمر من الرؤية المباشرة إلى التحليل والاستنتاج ولذلك تحتاج إلى اجتهاد خاص.
اليوم يدخل الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة في مجال رصد الأهلة. فخوارزميات التعلم الآلي تستطيع تحليل كميات ضخمة من الصور الفلكية وتمييز الهلال من بين الضوضاء والوهج القريب من الشمس ومقارنة الصور ببيانات سابقة للتعرف على الأنماط المحتملة لظهور الهلال. كما يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي دمج عدة عوامل في وقت واحد مثل موقع القمر والشمس في السماء وعمر الهلال ومدة بقائه بعد غروب الشمس والاستطالة بين القمر والشمس ونسبة إضاءة الجزء المضيء من القمر والظروف الجوية وشفافية الغلاف الجوي والصور الملتقطة بواسطة التلسكوبات والكاميرات الحساسة.
لكن يبقى السؤال الأساسي: هل الذكاء الاصطناعي “يرى” الهلال أم أنه يحلل البيانات التي التقطتها الأجهزة؟ من الناحية العلمية الذكاء الاصطناعي لا يمتلك رؤية بشرية وإنما يعالج إشارات ضوئية وصوراً رقمية ولذلك يمكن اعتباره أداة مساعدة للراصد مثل الخرائط الفلكية والحسابات الحديثة لكنه لا يلغي الحاجة إلى التقييم البشري.
فلكياً أصبح هناك فرق بين هلال يمكن رؤيته بالعين المجردة وهلال لا يمكن رؤيته إلا باستخدام التلسكوبات والكاميرات الحساسة وهلال موجود فلكياً لكنه غير قابل للرؤية بأي وسيلة بصرية وإنما يمكن تحديد وجوده بالحسابات الفلكية فقط وهذا يفسر جانباً من اختلاف بدايات الأشهر القمرية بين الدول بحسب المعيار الذي تعتمد عليه كل جهة في إثبات دخول الشهر.
إن التطور العلمي يطرح أسئلة جديدة حول مفهوم الرؤية لكنه لا يغير أصل العبادة ولا مقصدها فالمسألة ليست صراعاً بين الدين والعلم وإنما بحث في كيفية تطبيق النص الشرعي على وسائل تغيرت عبر الزمن. فالإنسان انتقل من الاعتماد على العين المجردة إلى استخدام أدوات مكنته من رؤية أجرام بعيدة في الكون وأصبح اليوم يستخدم أجهزة إلكترونية وخوارزميات ذكية لتحليل الضوء القادم من السماء.
لهذا فإن النقاش حول رؤية الهلال في العصر الحديث يحتاج إلى حوار هادئ يجمع بين علماء الشريعة وعلماء الفلك بحيث يحترم النص الشرعي وتستثمر المعرفة العلمية الحديثة بعيداً عن الجمود من جهة أو إلغاء الاعتبارات الشرعية من جهة أخرى.فالسؤال لم يعد فقط: هل رأى الإنسان الهلال بعينه؟ بل أصبح: ما حدود الرؤية في عصر أصبحت فيه أدوات الإنسان ترى وتحلل ما لا تستطيع العين البشرية وحدها إدراكه؟
للتواصل : [email protected]



