كتاب الرأي

حين يتكلم الصمت

     ✍️ سمسمه السعيد – كاتبة سعودية :

من أكثر الأحكام تداولا بين الناس أن الصمت حكمة وأن كثرة الكلام تجر الندامة غير أن الواقع يؤكد أن الصمت ليس فضيلة مطلقة كما أنه ليس دليلا على الضعف في كل الأحوال فالمواقف هي التي تمنحه معناه والغاية هي التي تحدد قيمته والإنسان هو من يرسم أثره بما يختاره من أقوال وأفعال ومواقف وسلوكيات

فكم من صمت احتوى غضبا وحمى علاقة وصان كرامة وأغلق بابا للفتنة وكم من كلمة أشعلت خلافا وبددت مودة وهدمت جسور الثقة وأورثت صاحبها ندما لا يمحوه الزمن لذلك كان الصمت في كثير من المواقف عنوانا للنضج ورجاحة العقل لأن الحكيم لا يقيس قوته بارتفاع صوته بل بقدرته على ضبط انفعالاته واختيار الوقت المناسب للكلمة التي تحقق غايتها وتترك أثرها الإيجابي

غير أن الصمت يفقد قيمته حين يتحول إلى غطاء للخوف أو التردد أو التنازل عن الحق فهناك مواقف لا يعد فيها السكوت حيادا بل يصبح تقصيرا في المسؤولية لأن الكلمة الصادقة قد تنصف مظلوما أو تدافع عن قيمة أو تحمي مبدأ ومن يلوذ بالصمت في مثل هذه المواقف قد يمنح الباطل مساحة للتمدد ويؤخر انتصار الحق

إن الحكمة لا تكمن في الصمت الدائم ولا في الكلام المستمر وإنما في إدراك اللحظة التي تستوجب الحديث واللحظة التي يكون فيها الصمت أبلغ أثرا فالعاقل لا يخوض كل جدال ولا يسعى إلى الانتصار في كل نقاش بل يزن كلماته بعقله قبل لسانه ويمنح لكل موقف ما يستحقه من قول أو صمت

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس هل الصمت حكمة أم ضعف بل متى يكون حكمة ومتى يصبح ضعفا فالإنسان الحكيم يصمت لأنه يملك القدرة على الكلام ويختار أن يجعل الصمت وسيلة للإصلاح أو الاحتواء أما الإنسان الضعيف فيصمت لأنه يخشى المواجهة أو يعجز عن التعبير أو يخاف تبعات الموقف

وفي زمن تتزاحم فيه الأصوات وتتسارع فيه الآراء يبقى الصمت الواعي لغة لا يجيدها إلا أصحاب البصيرة كما يبقى الكلام الصادق شجاعة لا يحملها إلا أصحاب المبادئ وبين الصمت والكلمة تتجلى حقيقة الإنسان فلا تقاس قيمته بكثرة ما يقول ولا بطول ما يصمت وإنما بحكمة ما ينطق به وبصواب ما يختار أن يتركه دون كلام

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى