في اتساع الرؤية.. كيف نصنعُ “المساحة” لتتغير الحلول؟

✍️عائشه السبيعي – كاتبة رأي :
في زحمة الحياة وضغوطها المستمرة، نقع كثيراً في مأزق انغلاق الرؤية؛ ننظر إلى الأزمات من زاوية ضيقة ومحصورة، ونظن أن هذا العائق هو نهاية المطاف.
لكن الحقيقة التي نغفل عنها هي أننا في أحيانآ كثيرة لا نحتاج إلى الدخول في مواجهات جديدة، ولا بذل طاقة مضاعفة، بل نحتاج فقط إلى مبدأ فكري وبسيط: “خلق المساحة”،
وبما يتناسب مع وضع كل حالة دون تعسف أو إرهاق، وفق قاعدة “لا ضرر ولا ضرار”.
إن خلق المساحة ليس انسحاباً ولا استسلاماً، بل هو مرونة ذهنية ونفسية تتيح لنا إعادة ترتيب الزوايا والأولويات، والتنفس قبل اتخاذ القرار.
فحين تشتد الأزمات، فإن إصرارنا على المسار نفسه يولد خناقاً يمنعنا من رؤية الخيارات المتاحة، بينما التراجع خطوتين إلى الخلف يفتح أمامنا آفاقاً واسعة لم نكن نراها تحت تأثير الضغط.
استوقفني مؤخراً مشهد بصري بديع يُلخّص هذه الفكرة؛ مظلة يحاول صاحبها إدخالها عبر فتحة ضيقة، وفي المحاولة الأولى يبدو الأمر مستحيلاً تماماً.
لكن بمجرد إمالة المظلة وتغيير زاوية المحاولة، مرت السلسلة بكل سهولة وسلاسة.
لم تتغير المظلة ولم تتوسع الفتحة، لكن الذي تغير هو زاوية التعامل.
وهذه الفلسفة تتجلى بأجمل صورها حين نطبقها على أبعاد حياتنا المختلفة:
في بيئة العمل والعلاقات المهنية:
قد تفرض علينا الحياة التعامل اليومي أو شبه اليومي مع زملاء في العمل، ومع كثرة الاحتكاك قد تنشأ الإشكاليات وسوء الفهم.
وهنا يكمن الذكاء في “خلق المساحة” عبر وضع حدود مهنية قائمة على الرسمية وتوثيق التواصل؛ كالتحول من الشفافية الفردية والمحادثات الخاصة إلى التوثيق الجماعي عبر مجموعات العمل الرسمية.
إن تقليل الاحتكاك واقتصار
التواصل على الإطار الرسمي يتجاوز كونه تجنباً للتصادم، ليكون درعاً يقطع الطريق على أي اتهامات باطلة أو سوء ظن، مما يضمن استمرار إنجاز المهام وحفظ الود دون تشنج أو اندفاع.
في البيئة التعليمية (بين المعلم والمتعلم):
إن البحث عن مساحة فهم أوسع لا يعني أبداً البخس بحق المعلم أو التقليل من كفاءته وقدرته على إيصال المعلومة؛ فالمعلم يبذل جهده وطاقته، بل إن من المعلمين والمعلمات الفاضلين من كانوا يطلبون صراحة أثناء الدرس: “إن لم تصلك المعلومة فصارحني لأعيد الشرح بطريقة أخرى”. لكن القضية ترتبط أيضاً بدرجة استيعاب المتعلم ونمطه الذهني؛ فقد لا تتقاطع طريقة الشرح التقليدية مع طريقة استقبال بعض الطلاب.
وهنا تبرز أهمية “المساحة المشتركة” بين المعلم والمتعلم، حيث يفتح المعلم باب الحوار دون حرج، ويجرب الطالب وسائل مساندة — كشرح مبسط من قريب أو وسيلة بصرية — فتصل المعلومة بسلاسة دون إلغاء لدور المعلم ولا إحباط لقدرات الطلاب.
في التشخيص الطبي والدقيق:
في الجانب الصحي، قد يتردد المريض على عدة جهات تكتفي بتسكين الأعراض الظاهرة دون النفاذ إلى الجذر، بينما الطبيب الأكفأ والأكثر اتساعاً في الرؤية هو من يمنح الحالة مساحة كافية من الفحص والتأمل الشامل ليحدد بدقة موضع الألم الحقيقي (كزائدة دودية حادة مثلاً)،
ويضع العلاج الناجع في الوقت المناسب بدلاً من الاكتفاء بالتهدئة المؤقتة.
في إدارة الضوائق المالية:
عند تراكم الالتزامات
والأقساط، تحدث الضائقة المالية حين نرى السداد الفوري الثقيل هو الخيار الوحيد. بينما خلق المساحة المادية والذهنية يكون باللجوء إلى إعادة الجدولة بالتفاهم مع الجهات التمويلية؛
كالاتفاق على تخفيض القسط الشهري ودفع جزء منه لفتح هامش مرن في الميزانية. هذه الخطوة لا تلغي الدين،
لكنها تمنح متنفساً وتوفر سيولة جانبية تُعيّن على تسيير المعيشة، ليتم السداد لاحقاً براحة وطمأنينة ودون إرباك للاستقرار المالي.
إن هذه الأمثلة والأفكار ليست مجرد تنظير، بل هي عصارة تجارب عشتُ بعضها بنفسي، واستلهمتُ بعضها الآخر من مواقف مقربين وشواهد حية في واقع الحياة.
وفي نهاية المطاف، قد لا تتغير معطيات المشكلات من حولنا، لكن حين نمنح أنفسنا مساحة للتراجع إلى الخلف وتغيير زاوية النظر، تتفكك العقبات المعقدة،
ونكتشف أن الطرق السالكة كانت موجودة دائماً.. فقط كانت تنتظر منا أن نراها من الزاوية المناسبة.
للتواصل : [email protected]



