من دهشة الطفولة إلى نور الفلك.. العبرة في تدبير خنفساء الروث

✍️عائشة السبيعي -كاتبة سعودية :
ما زلتُ أذكر تلك الأيام من
طفولتي، حين وقفتُ طويلاً في عجب شديد أمام كائن صغير يملأ الأرض حركة في محيط كان يزخر بالحيوانات من حولنا. لم تكن عندي خلفية علمية وقتها، ولم أكن أعرف سر سلوكها؛ كنتُ أراقبها بدهشة طفولية ناصعة وهي تقترب من روث الحيوانات، وتصنع منه كرة منتظمة بدقة هندسية لا يكاد يصل إليها إنسان.
ثم تأتي اللقطة الأكثر غرابة؛ تنقلب الحشرة رأساً على عقب، تجعل رأسها يلامس الأرض، وترفع رجليها الخلفيتين لأعلى لتدفع كرتها إلى الخلف بانتظام، وكأنها تسير وفق خطة محكمة لا خطأ فيها.
🪲 1. الشغف الطفولي: شرارة الوعي الأولى
إن هذا الشغف الطفولي الذي تملكني آنذاك لم يكن مجرد فضول عابر، بل كان الشرارة الأولى التي شكلت وعيي، ودفعتني بعد سنوات طويلة لتدبر هذا المشهد والكتابة عنه.
* فالطفل يرى الكون بعدسة نقية.
* في الوقت الذي يمر فيه الكبار بمثل هذه المشاهد دون اكتراث أو باشمئزاز، استوقفتني أنا هذه الحركة الهندسية المعكوسة.
* هذا الشغف هو الذي جعل الأسئلة القديمة: “لماذا تفعل ذلك؟ وكيف تهتدي؟” تنمو معي وتتحول من مجرد مراقبة طفولية إلى بحث عميق في أسرار الخلق.
لأكتشف لاحقاً أن ما أبهرني صغيرةً كان رحلة معقدة خاضها كبار علماء الفلك والأحياء لتفسير هذا اللغز.
🪲 2. التدرج العلمي: من بوصلة الأرض إلى نور السماء
حين تتبعتُ الأبحاث المنشورة، وجدتُ أن العلماء لم يصلوا إلى سر هذه الحشرة دفعة واحدة، بل تتبعوا سلوكها عبر مراحل ممتدة من الملاحظة الدقيقة:
* في البداية: كان معروفاً تاريخياً أن الخنفساء تعتمد على ضوء الشمس نهاراً لتوجيه خطواتها في خط مستقيم.
* مع استمرار المراقبة: أثبتت الدراسات أنها تستخدم أيضاً ضوء القمر والأنماط الضوئية المحيطة به كبوصلة سماوية في الليالي المضيئة.
*
لكن المفاجأة الكبرى التي
هزت الأوساط العلمية حدثت عندما راقبها فريق بحثي مشترك يقوده باحثون من جامعة لوند السويدية (Lund University) وجامعة ویتواترسراند في جنوب أفريقيا. ففي الليالي المظلمة التي يغيب فيها القمر تماماً، لاحظ العلماء أن الخنافس ما زالت تسير بسرعة فائقة وفي خطوط مستقيمة دون أن تضل طريقها! هنا أدركوا أن هناك مصدراً سماوياً آخر يرشدها في عتمة الليل.
ولحل هذا اللغز، قامت البروفيسورة السويدية ماري داكي (Marie Dacke) بالتعاون مع زملائها بنقل الخنافس (من
نوع Scarabaeus satyrus) إلى داخل “قبة يوهانسبيرغ الفلكية” المغلقة؛ ليعزلوا أي معالم أرضية، والتحكم في إضاءة النجوم تماماً.
🪲 3. المفاجأة الكبرى: الملاحة بمجرة درب التبانة
داخل القبة الفلكية، قام العلماء بتجارب مذهلة للتحكم في النجوم:
* * حين أضاؤوا نجوم السماء كاملة: سارت الخنافس في خطوط مستقيمة مثالية.
* حين أظلموا القبة تماماً: بدأت الخنافس تدور حول نفسها في عشوائية وتخبط وافتقدت التوجيه.
* * الذهول الحقيقي: تجلى حين أطفأ العلماء النجوم المنفردة اللامعة، وأبقوا فقط على “حزمة الضوء الضبابية الممتدة” التي تمثل مجرة درب التبانة (The Milky Way)؛ وهنا سارت الخنافس بكفاءة تامة وفي خط مستقيم!
*
لقد أثبتت هذه التجربة
التاريخية أن خنفساء الروث هي الكائن الحي الأول والوحيد في عالم الحشرات (حتى الآن) الذي يمتلك القدرة على استخدام مجرة بأكملها، تبعد عنا آلاف السنين الضوئية، كبوصلة ملاحية ترشد طريقها فوق رمال الصحراء المظلمة.
🪲 4. رقصة على الكرة: لقطة “المسح التصويري”
ولم تتوقف عجائب هذا الكائن عند هذا الحد؛ فالمتأمل لسلوكها يرى أنها قبل أن تبدأ رحلتها بالكرة، تصعد فوقها وتقوم بما يشبه “الرقصة الدائرية”.
لسنوات ظنها الناس حركة عشوائية، إلا أن العلم الحديث أثبت أن هذه الرقصة هي عملية “مسح تصويري دقيق للسماء”
(Snapshot). تلتقط الخنفساء خلال هذه الدورة صورة للخريطة النجمية والمجرات الفوقية، وتخزنها في دماغها البسيط كمرجع بصري، لتتحرك بعد ذلك برأسها المنكس لأسفل وهي واثقة من اتجاهها، مسترشدة بتلك الصورة المخزنة!
🪲 5. العبرة والتدبير: أبعاد إيمانية في عقل حشرة
حين نعود بالذاكرة من أروقة الجامعات السويدية وقباب الفلك بجنوب أفريقيا إلى تلك الوقفة الطفولية القديمة، يتجاوز المشهد حدود العلم المادي البحت ليدخل في رحاب التدبر الإيماني
العميق.
كيف لعقل حشرة لا يتجاوز
حجمه حبة الأرز، ولا يملك من الخلايا العصبية إلا نزراً يسيراً، أن يحل شفرات فيزيائية وفلكية عجز البشر عن فهمها لقرون؟ من الذي ربط حركة كائن مجهري على رمال الأرض باتجاه مجرة عملاقة تسبح في سحيق الكون؟
إنها ليست الطبيعة، ا
وليست المصادفة العمياء
التي لا تملك عقلاً لتهب به الحكمة؛ بل هو تدبير الخالق جل وعلا، كل شيء
خلقه ثم هدى.
للتواصل : h6060h500@gmail. com



