حين تغيب الحوكمة… من يحمي العدالة في أكاديميات التدريب السياحي؟

✍️ محمد آل مشافع – كاتب سعودي :
لا تنهض صناعة التدريب بالكفاءات وحدها، وإنما تنهض قبل ذلك بمنظومة عادلة تُحسن اختيار المدربين، وتوزع الفرص وفق معايير معلنة، وتخضع للمساءلة والرقابة. وحين تغيب هذه المنظومة، تتحول الأكاديميات من بيوتٍ للمعرفة إلى ساحاتٍ للاجتهادات الشخصية، فتضيع الكفاءة، وتُهدر العدالة، ويصبح مستقبل المدرب المتميز رهينة مزاج منسق أو منسقة، أو انطباع عابر، أو علاقة شخصية، لا علاقة لها بالكفاءة ولا بالإنجاز.
إن التعاقد مع أكاديميات لتنفيذ برامج تؤهل الكفاءات الوطنية في قطاع السياحة يحمّلها مسؤولية أخلاقية ونظامية مضاعفة، لأنها تؤدي رسالة وطنية قبل أن تقدم خدمة تدريبية. ومن ثم فإن أول ما يجب أن تلتزم به هو مبادئ الحوكمة والشفافية وتكافؤ الفرص، لا أن تتحول فرص التدريب إلى امتيازات تتكرر لأسماء محددة بينما يقف عشرات المدربين الأكفاء والمتفرغين خارج المشهد، رغم امتلاكهم الخبرة والمؤهلات والسجل الميداني المشهود.
أي معيار مهني يبرر أن يحصل مدرب واحد في منطقة واحدة على ثماني دورات أو أكثر خلال فترة قصيرة، بينما لا يحصل غيره إلا على دورة واحدة أو لا يحصل على أي فرصة؟ وأي معيار يفسر أن تتكرر إسنادات البرامج لأسماء بعينها، في الوقت الذي يوجد فيه مدربون متفرغون، أكثر خبرة، وأعلى تقييمًا، وأثبتوا نجاحهم في الميدان؟ إن غياب الإجابة الواضحة عن هذه الأسئلة يضعف الثقة في عدالة توزيع الفرص، ويجعل المطالبة بالإفصاح عن معايير الإسناد مطلبًا مشروعًا.
والأكثر أهمية من ذلك، ما يتعلق بالتزام الأنظمة الوظيفية. فإذا كان بعض المدربين أو المنسقين مرتبطين بوظائف حكومية أو خاصة، ويؤدون أعمالًا تدريبية خلال ساعات عملهم الأصلية، ويتقاضون في الوقت ذاته رواتبهم الوظيفية ومكافآت التدريب، فإن هذا يثير تساؤلات تستحق التحقق من الجهات المختصة، ليس من باب الاتهام، وإنما من باب حماية المال العام، وضمان الالتزام بالأنظمة، وتحقيق العدالة بين جميع المدربين.
إن احترام الوظيفة العامة والخاصة لا يقل أهمية عن احترام مهنة التدريب، وأي ممارسة تخالف الأنظمة أو تتم دون الموافقات اللازمة – إن ثبت وقوعها – ينبغي أن تخضع للمراجعة والمساءلة وفق الإجراءات النظامية. كما أن الأكاديمية التي تسند برامجها ينبغي أن تتأكد من استيفاء المدرب لجميع المتطلبات النظامية، وألا تكتفي بالإجراءات الشكلية إذا كانت اللوائح تستوجب غير ذلك.
كما يبرز سؤال جوهري: أين دور الرقابة؟ وهل تقتصر مسؤولية وزارة السياحة على التعاقد واعتماد البرامج، أم تمتد إلى متابعة التزام الأكاديميات بمعايير الحوكمة، وآليات إسناد البرامج، والتحقق من عدالة توزيع الفرص، ومدى التزام المدربين والمنسقين بالأنظمة ذات العلاقة؟ وإذا ظهرت مؤشرات على مخالفات تمس المال العام أو النزاهة الإدارية، فإن للجهات الرقابية المختصة صلاحياتها في التحقق وفق اختصاصاتها وإجراءاتها النظامية.
إن بناء قطاع سياحي احترافي لا يتحقق بمجرد إعداد الحقائب التدريبية، بل يبدأ من بناء الثقة في منظومة التدريب نفسها. وهذه الثقة لا تُصان إلا بإجراءات واضحة، من أهمها: إعلان معايير اختيار المدربين، وتوثيق أسباب إسناد البرامج، وتحقيق تكافؤ الفرص بين المؤهلين، وإلزام كل مدرب مرتبط بوظيفة حكومية أو خاصة بتقديم ما يثبت موافقة جهة عمله إذا كانت الأنظمة تشترط ذلك، أو ما يثبت تفرغه النظامي، قبل إسناد أي برنامج تدريبي إليه.
إن العدالة ليست شعارًا إداريًا، بل هي أساس الجودة، والحوكمة ليست بندًا في دليل الإجراءات، بل هي الضمان الحقيقي لصيانة المال العام، وحماية الكفاءات الوطنية، وترسيخ الثقة في مؤسسات التدريب. وحين تكون الفرص حقًا للكفاءة لا للعلاقات، فإن الرابح الحقيقي هو الوطن، وتكون مخرجات التدريب أكثر جودة وتميز .
للتواصل : [email protected]



