كتاب الرأي

الكفاءة المهنية في القطاع السياحي… بين الترخيص وكفاءة الممارسة

    ✍️علي مديني السيد – كاتب سعودي :

في القطاع السياحي، يكثر الخلط بين شرعية الممارسة وكفاءة الممارسة، رغم أن الفارق بينهما جوهري.

فالترخيص أو الرخصة المهنية هي متطلب تنظيمي يحدد أهلية ممارسة نشاط معين وفق الأنظمة واللوائح، أما الكفاءة المهنية فهي منظومة متكاملة من المعارف والمهارات والخبرات والسلوك المهني، تُترجم إلى أداء قادر على صناعة تجربة سياحية ذات جودة واستدامة.

ومن هنا، فإن اختزال الكفاءة في مجرد الحصول على رخصة، يختزل المهنة نفسها.

فالقطاع السياحي ليس مهنة واحدة يمكن قياسها بمعيار موحد، بل منظومة تضم تخصصات دقيقة، لكل منها كفاءاته المهنية، ومعاييره الفنية، ومساراته التطويرية، ومؤشرات أدائه. فالإرشاد السياحي يختلف عن إدارة الوجهات، وتنظيم الرحلات يختلف عن تشغيل الفعاليات، والإعلام السياحي له كفايات تختلف عن الضيافة أو التسويق أو إدارة التجارب السياحية.

ولهذا، فإن الرخصة لا يمكن أن تكون مؤشرًا وحيدًا على الكفاءة، كما أن الكفاءة لا تُقاس بعدد الدورات أو سنوات الممارسة فقط، بل بقدرة الممارس على توظيف المعرفة، واتخاذ القرار، وإدارة المواقف، وفهم الأنظمة، والالتزام بالمعايير المهنية، وتحقيق القيمة المضافة للمستفيد والوجهة السياحية.

وتتجه القطاعات المهنية المتقدمة عالميًا إلى نماذج قائمة على الكفاءات (Competency-Based Frameworks)، حيث يُقاس الممارس وفق معايير أداء واضحة، وتقييمات دورية، وتطوير مهني مستمر، بدلاً من الاكتفاء بالترخيص الأولي. وهذا هو الاتجاه الذي يعزز جودة المخرجات، ويرفع موثوقية المهنة، ويصنع احترافية حقيقية.

والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس: هل يحمل الممارس رخصة؟ بل: هل يمتلك الكفاءات التي تؤهله لممارسة هذا التخصص وفق معاييره المهنية؟

فبين الرخصة والكفاءة مساحة واسعة، تُبنى فيها الخبرة، ويُصنع فيها الاحتراف، ويظهر فيها الفرق بين من يمارس المهنة، ومن يرتقي بها.

ولهذا، فإن مستقبل القطاع السياحي لن يُقاس بعدد الرخص الصادرة، بل بجودة الكفاءات القادرة على تحويل الترخيص إلى ممارسة احترافية، والمعرفة إلى قيمة، والخدمة إلى تجربة تستحق أن تُروى.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى