حين يتغير الذين ظنناهم ثابتين

✍️عبير الوبران – كاتبة سعوديه :
هناك تغيّرات تمر في حياتنا كما تمر الفصول لا تستأذن أحداً ولا تنتظر قبولنا لها.
تتبدل الأماكن وتتغير الوظائف وتتطور الأفكار ويكبر الإنسان مع كل تجربة يخوضها.
تلك سنّة الحياة التي اعتدناها حتى أصبح التغيير جزءاً من تفاصيل أيامنا.
لكن هناك نوعاً آخر من التغيير لا يشبه كل ما سبقه تغيير لا يمس واقعنا فحسب بل يلامس أعماق أرواحنا.
إنه التغيير الذي يأتي من الأشخاص الذين منحناهم ثقتنا
ومن العلاقات التي بنينا عليها أحلامنا ومن الوجوه التي ظننا أنها ستبقى كما عرفناها مهما تبدلت الظروف.
فالوجع الحقيقي لا يصنعه الرحيل دائماً بل قد تصنعه المسافات التي تنشأ بين قلبين ما زالا يلتقيان أو البرود الذي يتسلل إلى علاقة كانت يوماً عامرة بالمودة. أحياناً لا يؤلمنا أن يغيب الأشخاص بقدر ما يؤلمنا أن يبقوا أمامنا وقد أصبحوا غرباء يحملون الملامح ذاتها لكنهم فقدوا دفء المشاعر التي عرفناها فيهم.
وأكثر ما يستنزف الإنسان أن يظل أسير صورة قديمة يحاول أن يستعيد بها أشخاصاً اختاروا طريقاً مختلفاً أو غيّرتهم الأيام حتى لم يعودوا يشبهون أنفسهم. فالتشبث بالماضي لا يعيد العلاقات إلى سابق عهدها بل يؤخر قدرتنا على تقبل الحقيقة ويطيل زمن الألم.
النضج لا يعني أن نتوقف عن الوفاء بل أن ندرك أن بعض العلاقات لها عمر افتراضي وأن بعض الأشخاص ليسوا باقين إلى الأبد.
ومن الحكمة أن نتعامل مع هذا الواقع بهدوء دون أن نفقد احترامنا لأنفسنا أو نحمل في قلوبنا أعباءً لا تستحق أن تستمر.
ولهذا لا تجعل قوتك مرتبطة بوجود أحد ولا تبنِ استقرارك النفسي على ما يقدمه الآخرون لك.
فكل ما يعتمد على البشر قد تهزه الظروف أما القوة الحقيقية فهي تلك التي تنبع من الداخل من الإيمان بالله والثقة بالنفس واليقين بأن الإنسان قادر على النهوض مهما تعثرت خطواته.
وقد تمر لحظات يشعر فيها المرء بالانكسار وهذا أمر طبيعي لا ينتقص من قيمته.
فالضعف ليس عيباً وإنما الاستسلام له هو الخسارة الحقيقية.
وكل تجربة مؤلمة تحمل بين طياتها درساً وكل خيبة تكشف معدن الأشخاص وتمنحنا قدرة أكبر على التمييز بين من يستحق أن يبقى ومن كان مجرد عابر طريق.
وفي النهاية سنكتشف أن بعض التغيرات التي قاومناها طويلاً كانت سبباً في إعادة تشكيلنا بصورة أفضل.
فما ظننّاه يوماً خسارة قد يكون بداية لمرحلة أكثر نضجاً واتزاناً و من كسر شيئاً في داخلنا قد يكون في الوقت ذاته قد بنى فينا إنساناً أكثر قوة وأكثر وعياً بقيمة نفسه وأكثر قدرة على اختيار من يستحق يرافقه في رحلة الحياة .
للتواصل : Pero.1981.pero@gmail .com



