ليس كل منصب مكانة

✍️ عبدالخالق الزهراني – كاتب سعودي :
حين تولى أبو بكر الصديق رضي الله عنه الخلافة، ظن بعض أهل حيه أن المنصب سيغيره، حتى قالت جارية: “الآن لا تحلب لنا منائح دارنا.”
فسمعها أبو بكر فقال: “بلى لعمري، لأحلبنها لكم، وإني لأرجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه من خلقٍ كنت عليه.” فكان يحلب لهم.
توقفت طويلاً عند هذا الموقف…
ليس لأنه كان يحلب لهم أغنامهم، بل لأنه كان يخشى أن يغيره المنصب.
وكأن السؤال الذي كان يطرحه على نفسه لم يكن: ماذا سأصبح بعد الخلافة؟
بل:
هل سأبقى أنا؟
هذا السؤال وحده يستحق أن يطرحه كل من جلس يوماً على كرسي، أو مُنح صلاحية، أو أصبح مسؤولاً عن غيره.
فالمنصب لا يغير الإنسان دائماً …
لكنه يمنحه فرصة ليُظهر ما كان يخفيه.
فمن كان متواضعاً، ازداد تواضعاً كلما ارتفع.
ومن كان يرى نفسه أكبر من الناس، وجد في المنصب ما يغذي ذلك الشعور.
ولهذا، فإن السلطة لا تصنع الغطرسة…
بل تزيل الأقنعة.
ولعل أخطر ما يفعله المنصب بصاحبه، أنه يقنعه بأن الاحترام الذي يراه في وجوه الناس هو احترام لشخصه، بينما كثير منه هو احترام للمسؤولية التي يحملها.
وحين يختلط الأمر عليه، يبدأ في معاملة الناس من موقع الكرسي، لا من موقع الإنسان.
وهنا تبدأ الخسارة.
فالغطرسة لا تجعل الإنسان أعلى…
بل تجعله أبعد.
أبعد عن الناس، وأبعد عن النصيحة، وأبعد عن رؤية نفسه كما هي.
ولهذا أخشى على الإنسان في أول يوم يجلس فيه على كرسي جديد، أكثر مما أخشى عليه يوم يغادره.
لأن مغادرة المنصب تحتاج إلى قرار…
أما مغادرة الغطرسة، فقد تحتاج إلى سنوات من مراجعة النفس.
والحياة تعلمنا أن الكراسي تتبدل، وأن الأسماء على الأبواب تتغير، وأن كل منصب له يوم يبدأ فيه، ويوم يُسلم فيه إلى غير صاحبه.
لكن الذي لا يتغير، هو أثر الإنسان.
فبعد أن يهدأ التصفيق، وتُغلق المكاتب، وتُطوى القرارات…
لن يتذكر الناس حجم مكتبك، ولا نوع سيارتك، ولا عدد من كانوا يقفون على بابك.
سيتذكرون شيئاً واحداً فقط…
كيف كانوا يشعرون بعد لقائك.
هل خرجوا وهم يحملون احتراماً لك؟
أم خرجوا وهم يحملون ألماً منك؟
فالمنصب مرحلة…
أما الأخلاق، فهي السيرة التي تبقى بعد انتهاء كل المراحل.
ولهذا، لا تجعل المنصب يغير فيك ما أحبه الناس قبل أن تصل إليه.
فالمناصب تُمنح، وتُسحب، وتنتقل من شخص إلى آخر…
أما الأخلاق، فهي الإرث الوحيد الذي لا يستطيع أحد أن ينتزعه منك.
❝سيأتي يوم يغادر فيه كل إنسان كرسيه… لكن قليلين هم الذين يغادرون وقد تركوا وراءهم مكانة لا يستطيع الزمن أن ينزعها. ❞
للتواصل : [email protected]



