سؤال واحد… أنهى الحوار!

✍️ م. ماجد أبو زاهرة – رئيس الجمعية الفلكية بجدة :
عندما ألتقي فيها بأحد المصدقين بخرافة الأرض المسطحة أسمع قائمة طويلة من الادعاءات: الأرض ليست كرة والأرض ليست مائلة والجاذبية مجرد خرافة والفضاء كله خدعة ووكل ما تعلمناه في المدارس كذب.
عادة ما تستمر هذه القائمة دقائق طويلة مليئة بالثقة لكنها فقيرة بالأدلة. هذه المرة قررت ألا أدخل في نقاش عن الأقمار الصناعية ولا عن رحلات الفضاء ولا عن صور الأرض ولا عن قوانين نيوتن ولا حتى عن الملاحة الجوية التي يعتمد عليها العالم كل يوم. قلت له بابتسامة : دعنا نترك كل ذلك جانباً لدي سؤال واحد فقط. إذا كانت الأرض ليست كرة وليست مائلة كما تقول فكيف تفسر أننا الآن في شهر يوليو ونعيش نحن العالم العربي ومعظم أوروبا وكندا نعيش فصل الصيف بينما في أستراليا ونيوزيلندا يعيش الناس فصل الشتاء في الوقت نفسه؟ ساد الصمت.
ظننت أنه يفكر في الإجابة. انتظرت قليلاً ثم أكثر ثم اكتشفت أن الحوار انتهى قبل أن يبدأ لأن صاحب النظرية اختفى وكأن السؤال لم يعجبه والحقيقة أن هذا السؤال ليس معقدا
ولا يحتاج إلى دكتوراه في الفيزياء أو الفلك.
إنه سؤال يواجه أي نموذج يدعي تفسير شكل الأرض. الإجابة واضحة ومباشرة النموذج العلمي وهي محور الأرض مائل بنحو 23.4 درجة وخلال دورانها حول الشمس يتجه أحد نصفي الكرة نحو الشمس بينما يبتعد الآخر عنها لذلك يعيش النصف الشمالي الصيف عندما يكون النصف الجنوبي في الشتاء، وبعد نحو ستة أشهر تتبادل القارتان الأدوار ولهذا نجد في يوليو حرارة مرتفعة في السعودية ومصر وأوروبا وكندا بينما يرتدي سكان أستراليا ونيوزيلندا المعاطف وتغطي الثلوج بعض المناطق وتكون ساعات النهار أقصر لديهم.
هذه ليست نظرية بل واقع يمكن لأي شخص أن يرصده بنفسه. لكن المشكلة تبدأ عندما نحاول إسقاط هذه الظاهرة على نموذج الأرض المسطحة. كيف يمكن لشمس واحدة تدور فوق قرص مسطح أن تجعل نصف العالم يعيش صيفاً والنصف الآخر يعيش شتاءً في اللحظة نفسها؟ كيف تفسر اختلاف زاوية سقوط أشعة الشمس بين نصفي الأرض؟ وكيف تفسر اختلاف طول النهار والليل؟ وكيف تفسر أن القطب الشمالي يعيش نهاراً متواصلاً بينما يعيش القطب الجنوبي ليلًا متواصلاً، ثم يحدث العكس بعد ستة أشهر؟
هذه ليست تفاصيل صغيرة يمكن تجاهلها بل ظواهر يومية يمكن قياسها ومشاهدتها في جميع أنحاء العالم. المثير للاهتمام أن كثيراً من أنصار الأرض المسطحة يطالبون الآخرين بإثبات كروية الأرض لكن عندما يطرح عليهم سؤال بسيط يطالبهم بتفسير ظاهرة نشاهدها كل عام يصبح الصمت هو الإجابة.
العلم لا يطلب منك أن تصدقه لأنه علم بل لأنه يقدم نموذجاً يفسر الظواهر ويتنبأ بها ويمكن اختبارها والتحقق منها. أما أي نموذج آخر فلا يكفي أن يرفض النموذج العلمي بل يجب أن يقدم تفسيراً أفضل وأكثر اتساقاً مع الواقع.
وحتى الآن لا يقدم نموذج الأرض المسطحة تفسيراً علمياً متماسكاً لسبب تعاقب الفصول بين نصفي الأرض في الوقت نفسه. لذلك كان سؤالي بسيطاً جداً ولعل بساطته كانت أصعب من أن يجاب عنه.
أحياناً لا تحتاج إلى عشرات المناظرات ولا إلى ساعات من الجدل. يكفي سؤال واحد إذا لم يجد له الطرف الآخر إجابة فربما كانت المشكلة في الفكرة نفسها لا في السؤال.
للتواصل : [email protected]



