كتاب الرأي

ترى الخوي ياحسين مثل الأمانة

       ✍️ بدرية المعجل – كاتبة سعودية :

يُعد هذا البيت من أشهر أبيات الشعر النبطي، نظمه الأمير الشاعر عبد الله بن رشيد، أحد أمراء حائل، في قصةٍ مؤثرة تناقلتها الأجيال. وتروي الرواية أنه عندما اضطر إلى مغادرة حائل بسبب النزاعات، كان برفقته زوجته ومرافقه الوفي حسين الشمري وبينما كانت الزوجة تمشي حافية القدمين في طريقٍ وعر، رقّ لها قلبه، فأوصى حسين قائلًا:

«ارمِ النعل لمغيزل العين يا حسين»،

ثم خيّره بين أن يناولها النعل أو يحملها إن عجزت عن مواصلة السير، قبل أن يخلّد تلك الوصية في أبيات أصبحت من عيون الشعر النبطي.

وتحمل هذه القصة دلالاتٍ إنسانية وأخلاقية عظيمة؛ فهي تجسّد وفاء العربي الأصيل، ورحمته، وإحساسه بمن معه، وحرصه على أداء الأمانة حتى في أشد الظروف. فلم تشغله محنة الرحيل ولا قسوة الطريق عن رعاية زوجته، ولم ينسَ أن الخوي أمانة يجب حفظها وصونها.

فالمرأة التي اعتادت حياة الرفاه سارت حافيةً وفاءً لزوجها ومشاركةً له محنته، وهو بدوره لم يغفل عن حقها، بل خفّف عنها بكلمةٍ صادقة، ووصيةٍ نبيلة، وشعرٍ بقي شاهدًا على سمو الأخلاق ونبل المشاعر.

ويختصر قوله:

«ترى الخوي يا حسين مثل الأمانة»

منهجًا متكاملًا في التعامل مع الرفيق؛ فالخوي ليس مجرد مرافق طريق، بل هو أمانة في العنق، ومسؤولية أخلاقية تفرض الرحمة، والإحسان، وحفظ الحقوق، وصيانة الكرامة.

ولا يقتصر معنى الخوي على رفيق السفر، بل يشمل كل من ارتبط بالإنسان بعلاقة مسؤولية أو صحبة أو ولاية؛ كالزوجة، والأبناء، والعامل، والزميل، والصديق، وكل من ائتمنك الله عليه. وهنا يظهر المعدن الحقيقي للإنسان، فالمواقف هي المعيار الصادق الذي يكشف الأخلاق، ويُظهر معادن الرجال.

وقد عُرفت العرب بعظيم عنايتها بالرفيق، وعدّت الإخلال بحقه من خوارم المروءة، بينما كان حفظ الأمانة، والوفاء بالعهد، والرحمة بالضعيف، والإحسان إلى الرفيق، من أسمى خصال الكرام وأهل المروءة.

ولذلك بقيت هذه القصيدة حاضرةً في الذاكرة الشعبية، يتناقلها الناس جيلًا بعد جيل؛ لما اشتملت عليه من قيمٍ خالدة، أبرزها: الوفاء، والرحمة، وأداء الأمانة، والمروءة، والوفاء بالصحبة، والإحساس بالآخرين، ونقاء السريرة، وسمو الأخلاق.

رحمهم الله جميعًا ورحم من حملوا إلينا هذا الإرث الأدبي الجميل، وجزاهم خير الجزاء، وأسكنهم فسيح جناته.

ومن أبيات القصيدة:

ارمِ النعل لمغيزل العين يا حسين
واقطع لها من ردن ثوبك ليانه

يا حسين والله مالها سبت رجلين
يا حسين شيّب بالضمير اهكعانه

وإن شلتها يا حسين ترى ما بها شين
ترى الخوي يا حسين مثل الأمانة

ما يستشك يا حسين كود الرديّين
ولا ترى الطيب وسيعٍ بطانه

للتواصل : badriya-10-11@hotmail. com

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى