حين يتلاشى الشوق

✍️حمده القرني – كاتبة سعودية :
يجتاح الإنسان في بعض مراحل حياته شوقٌ عارم، حتى يظن أن هذا الشعور سيظل رفيقه إلى الأبد. لكنه يكتشف مع مرور الوقت أن الشوق، مهما كان عظيمًا، ليس شعورًا خالدًا، بل يتراجع بصمت، حتى يكاد يختفي دون أن يشعر.
في البداية، يبدو الأمر مؤلمًا، وكأن القلب يتخلى عن جزءٍ من نفسه. ثم يدرك الإنسان أن ما كان يراه خسارة، لم يكن سوى بداية للتعافي.
تأتي لحظة يتجرد فيها القلب من فائض المشاعر التي أثقلته طويلًا، فيصبح أكثر هدوءًا، وأكثر اتزانًا، وكأن صحراء الروح لم تعد قاحلة، بل أرضًا تنتظر موسمًا جديدًا للحياة.
قد لا يلتفت الطرف الآخر لهذا التحول، وربما لم يهتم به يومًا. لكن الإنسان، بطبيعته، يرغب دائمًا أن يكون هناك من يشعر به، ومن يدرك قيمة ما يقدمه من حب واهتمام.
وفي منتصف رحلة التعافي، يكتشف حقيقة لم يكن يتوقعها…
أن المدينة التي بناها في داخله للآخرين، قد تهدمت بالكامل.
والمفاجأة أن ذلك لا يحزنه كما كان يظن، بل يمنحه شعورًا بالقوة. فبعض المدن لا تُهدم لتكون نهاية، وإنما لتُعاد هندستها على أسسٍ أكثر صلابة.
حينها، لا يعود أحد قادرًا على زعزعة القلب بنظرة، أو بكلمة، أو بمجرد حضور. وتصبح المشاعر أكثر نضجًا، فلا تُمنح إلا لمن يستحقها.
ثم تبدأ أجمل مرحلة…
مرحلة ترميم النفس، وإعادة بناء الوطن الذي في الداخل، وزراعة أرض الروح بالأمل، والتفاؤل، والحياة.
عندها فقط، يدرك الإنسان أن السعادة لا تكمن في بقاء أحد، بل في قدرته على النهوض بعد كل ما انكسر فيه.
وأن بعض الغيابات، مهما كانت مؤلمة، لم تكن سوى الطريق الذي أعاده إلى نفسه.
للتواصل : [email protected]



