كتاب الرأي

عندما ينتصر الكِبار لأخلاقهم: قصة رجل آثر الصمت على كسر الفرح

✍️ ناصر بن مضحي الحربي :

في زمن تتنازع فيه المشاعر بين الغضب والعدالة، وبين الفقد ورد الفعل، قلّما تجد من يعلو فوق ألمه ليمنح من حوله مساحة للفرح دون أن يثقله بالحزن. في محافظة رفحاء، شمال المملكة العربية السعودية، كُتبت صفحة إنسانية خالدة في سجل المروءة، كان بطلها رجلاً تجاوز الحزن الشخصي إلى رحابة الإيثار الجمعي . 

مخلف الرطان الشريفي الشمري، لم يكن مجرد جدٍ مكلومٍ في حفيده، بل كان ضميراً حياً اختار أن يحتمل الصدمة بصمت، وأن يحجب دموعه عن أعين المحبين، فقط ليمنحهم ليلة زفاف مكتملة الفرح. فحينما وصل إليه نبأ وفاة حفيده الصغير إثر حادث عرضي وقع عند بوابة إحدى المناسبات، لم ينهَر، ولم يصدر قرارات لحظية بدافع الغضب أو الحزن، بل استقبل المصيبة بثبات نادر.
والأشد إدهاشًا، أنه اختار أن يعفو في ذات اللحظة عن الشاب المتسبب في الحادث، معلنًا أن ما حدث قضاء وقدر، متجاوزًا بذلك منطق الانتقام أو حتى المطالبة بالحق. لكنه لم يكتفِ بالعفو، بل قرر أن يُبقي الأمر طيّ الكتمان حتى تنتهي مراسم الفرح، حمايةً لمشاعر من حوله، وتقديرًا لقدسية الفرح في حياة الناس . 

ما فعله الشريفي ليس مجرد تصرّف عفوي، بل هو بناء متين لقيم متجذّرة في وجدان رجل شهم، تعلّم أن الفقد يُحتمل، وأن الفرح لا يُستعاد إن فُقد. لقد وضع مشاعر الناس قبل مشاعره، واستحق بذلك أن يُخلّد موقفه كدرس في الإنسانية، بل كقيمة سعودية أصيلة تنبع من عمق البادية وثقافة الكرم والصفح . 

في مجتمعات تُقدّر الفزعة والمروءة، لا يُنسى مثل هذا التصرف. ولذا، لم يكن غريبًا أن يلقى موقف الشريفي صدًى واسعًا وإعجابًا عارمًا، تجاوز حدود رفحاء ليصل إلى قلوب السعوديين في كل المناطق، بل وربما إلى أبعد من ذلك . 

ولعل الأجيال المقبلة حين تبحث عن تعريف عملي لمعاني الشهامة والإيثار، لن تحتاج إلى التنقيب في كتب الأخلاق، فستجد في قصة هذا الرجل مثالاً حيًا لمروءة لا تُدرّس ولكن تُورث.

عبدالله الحايطي

مؤسس ومالك صحيفة عنوان الأخبارية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى