حين ينتصر الجدل… وتنهزم العلاقات

✍️أ. د. محمد بن شايع الشايع – كاتب وأكاديمي جامعة الملك سعود :
في عالمٍ طغت فيه الماديات، وارتفعت فيه أصواتُ من يُطلق عليهم المشاهير وأرباب الإعلانات، وتراجع الوعي السلوكي بآثار الحوارات والنقاشات، برز خللٌ واضح في بيئة الحوار وآدابه. ولم يكن الاختلاف عبر التاريخ سببًا في انهيار المجتمعات، وإنما كانت المشكلة دائمًا في الطريقة التي يُدار بها الاختلاف، فالتباين في الآراء سنة إنسانية وضرورة للحياة، وإنما كانت المشكلة دائمًا في طريقة إدارة الاختلاف. فكم من أسرةٍ فرقتها كلمة، وكم من رحمٍ انقطعت بسبب جدال، وكم من صديقٍ غاب لأن كل طرفٍ اعتقد أن الحقيقة تقف معه وحده. ولعل أخطر ما يواجه مجتمعاتنا اليوم ليس كثرة الخلاف، بل تراجع ثقافة الحوار، حتى أصبح الانتصار للرأي عند بعض الناس أهم من المحافظة على العلاقة.
لقد أصبحنا نعيش عصرًا تتدفق فيه المعلومات بصورة غير مسبوقة، لكن الحكمة لم تواكب هذا التدفق بالقدر نفسه. فوفرة المعلومات لا تعني اكتمال المعرفة، والاطلاع لا يعني الإحاطة، ولذلك أصبح كل طرف يمتلك من الشواهد ما يكفي لتأييد رأيه، بينما يقل من يمتلك الشجاعة الفكرية التي تدفعه إلى مراجعة قناعته إذا ظهر له ما هو أصوب. وهنا يكمن الفارق بين من يبحث عن الانتصار لرأيه، ومن يبحث عن الانتصار للحقيقة.
ويشير عالم النفس Daniel Kahneman إلى مفهوم التحيز التأكيدي (Confirmation Bias)، وهو ميل الإنسان إلى البحث عما يؤيد قناعاته وإغفال ما يخالفها، فيرى جزءًا من الحقيقة ويظنه الحقيقة كلها. ويضيف Leon Festinger في نظرية التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance Theory) أن الإنسان قد يقاوم الأفكار التي تتعارض مع معتقداته لأنها تُحدث توترًا داخليًا، فيلجأ إلى تبرير موقفه بدلًا من مراجعته. ومن هنا يتحول كثير من النقاشات من رحلة للبحث عن الصواب إلى معركة للدفاع عن الذات.
ومن منظور علم الاجتماع، يرى Robert D. Putnam في نظرية رأس المال الاجتماعي (Social Capital Theory) أن قوة المجتمع لا تُقاس بثروته أو مؤسساته فحسب، بل بما يملكه من ثقة متبادلة وروابط إنسانية متينة. وكلما ضعفت هذه الروابط، ازداد الجفاء، وتراجعت صلة الرحم، وأصبحت العلاقات أكثر هشاشة. ويصف Zygmunt Bauman هذا الواقع في الحداثة السائلة (Liquid Modernity)، حيث أصبحت العلاقات سريعة التكوين وسريعة الانهيار، حتى بات الانسحاب من العلاقة عند أول خلاف أسهل من الصبر على إصلاحها.
وتؤكد خبرات علم الاجتماع النفسي والوساطة الأسرية أن كثيرًا من النزاعات لا تنشأ من تضارب المصالح، بل من سوء الفهم، والتسرع في تفسير النوايا، وضعف مهارات الإصغاء والحوار. فالكلمات لا تُستقبل كما تُقال، بل كما يفهمها المتلقي، وبين القول والفهم تتسع فجوات تهدم سنوات من المودة.
ومن المؤلم أن بعض البيئات الاجتماعية أصبحت تمنح صاحب الصوت الأعلى حضورًا أكبر من صاحب الفكرة الأعمق، حتى غدا سليط اللسان في نظر البعض قوي الحجة، بينما يُساء فهم الهادئ المتزن على أنه ضعيف الشخصية. والحقيقة أن الدراسات السلوكية تؤكد أن ضبط الانفعال، والإنصات، والقدرة على استيعاب الرأي المخالف، هي من أهم مؤشرات النضج العقلي والقيادة المؤثرة، لا مظاهر الاندفاع والخصومة.
وقد سبق الإسلام إلى بناء هذه الثقافة قبل أن تعرفها العلوم الحديثة، فقال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، وقال سبحانه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾. ثم جاء التوجيه النبوي ليضع قاعدة خالدة لإدارة الخلاف، فقال ﷺ: «أنا زعيمٌ ببيتٍ في ربضِ الجنةِ لمن ترك المراء وإن كان محقًا». إنها دعوة إلى أن يكون الانتصار للحقيقة فوق الانتصار للنفس، وأن يكون الحفاظ على القلوب مقصدًا لا يقل شأنًا عن الدفاع عن الآراء. وقال ﷺ: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»، لأن أعظم الانتصارات هي تلك التي ينتصر فيها الإنسان على انفعاله قبل أن ينتصر على خصمه.
إن المؤشرات الاجتماعية في عالم اليوم تنبه إلى تراجع الثقة بين الأفراد، وازدياد الشعور بالوحدة، وهشاشة الروابط الإنسانية، وهي دعوة صريحة إلى مراجعة أساليب تواصلنا قبل مراجعة مواقفنا. فالمجتمع لا يضعف لأنه يختلف، وإنما يضعف عندما يفقد القدرة على إدارة اختلافه بعدل وإنصاف.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل نقاش: هل أريد أن أثبت أنني على حق، أم أريد أن أصل إلى الحق؟ ففي الفرق بين السؤالين تُحفظ الأرحام، وتستمر الصداقات، وتبقى العلاقات أكبر من الآراء، ويغدو الحوار سبيلًا لبناء الإنسان لا لهدمه. فالرأي قد يتغير، والمعلومة قد تُصحح، أما الكلمة الجارحة إذا مزقت وشائج القربى، فقد تحتاج سنوات حتى تلتئم. وستظل المجتمعات الأقوى ليست تلك التي يقل فيها الاختلاف، بل تلك التي يتسع فيها الصدر، ويعلو فيها خُلق الإنصاف، ويُقدَّم فيها الإنسان على الانتصار، والحقيقة على المكابرة، والمودة على الجدل.
للتواصل : [email protected]



