غابة الذئاب الأرملة السوداء

سلسلة ” غابة الذئاب “
✍️ سمير الشحيمي – كاتب عماني :
في وسط صحراء قمرة، وتحديداً في قصر الأرملة السوداء، يجلس فريد محاولاً رسم ابتسامته الخبيثة المعتادة، لكن نظرات الأرملة السوداء الثاقبة تجعل الابتسامة تختفي تدريجياً عن وجهه.
قالت الأرملة السوداء بصوت منخفض، لكنه يحمل نبرة أمر مرعبة لا تقبل النقاش:
”آل السامر يعلمون أنني عدت يا فريد، إنهم يظنون أنني سآتي لاختطاف العجوز أو تصفيتهم جسدياً، لذلك أتوقع أنهم سيسخرون كل رجال المنظمة لحماية شركاتهم وحراسة الجد العقيد.”
ابتلع فريد ريقه بهدوء، وحاول مجاراة الموقف قائلاً:
“إذن، هم في حالة استنفار قصوى. هذا يجعل التحرك في مدينة الأبراج كالسير في حقل ألغام.”
تقدمت الأرملة السوداء ببطء شديد نحو فريد، ونظرت في عينيه مباشرة بغطرسة وقوة طاغية:
“هم يركزون على حماية الأشخاص، وأنا سأضربهم في عصب الحياة.. سأخنقهم مالياً. هناك شحنة ضخمة قادمة إلى ميناء مدينة الأبراج بعد أيام، تحتوي على أجهزة طبية متطورة وإلكترونيات تقدر بملايين الدولارات.”
ضيق فريد عينيه محاولاً قراءة الموقف:
“اقتحام الميناء وهو في حالة استنفار يعتبر انتحاراً يا سيدتي.. المسامر يملأ المكان برجاله.”
قاطعته بحزم، ووضعت يدها على حافة مقعده ومالت برأسها نحوه، بلهجة حادة تجمد الدماء في العروق:
“ومن قال إننا سنقتحم الميناء؟ الميناء محصن، لكن الشحنة يجب أن تخرج. رجالي سينتظرون خلف البوابات.. الخطة هي قطع الطريق على القافلة فور خروجها من الميناء والسيطرة على البضاعة في نقطة ميتة أعددناها مسبقاً.. أما أنت يا فريد.. فلست هنا لكي توافق أو ترفض.”
تقدم صقر خطوة للأمام، ووضع يده بوضوح على سلاحه ليزيد من الضغط:
“السيدة سلافة لا تطرح خيارات يا فريد.”
أكملت الأرملة السوداء بنبرة صوت باردة كالموت:
“مطلوب منك ودون نقاش التغطية والحماية؛ رجالي سيقطعون الطريق وينفذون السرقة، ودور عصابة القط الأسود هو تأمين المحيط وخطوط الانسحاب. إذا طرأ أي شيء غير متوقع من رجال المسامر أو تدخلت تعزيزاتهم، تتدخل فوراً لتوفير الحماية وتشتيتهم لشراء الوقت الكافي لكي تخرج الشحنة نحو ‘المدينة الغائمة’ حيث ينتظرها أخي البارون.”
نظر فريد إلى عينيها، وأدرك في ثوانٍ أن أي محاولة للرفض أو التراجع أمام هذه المرأة تعني تصفيته هنا في قمرة قبل أن يصله المسامر. اختفت نبرة التردد من صوته، وعدل بدلته الرياضية مستسلماً لهيبتها:
“قطع الطريق خارج الميناء أكثر ذكاءً.. وتوفير الوقت وتأمين المنسحبين عند الطوارئ هو تخصصي. حسناً، يبدو أنه لا مفر من خوض هذه الحرب بجانبكِ سيدتي، فهيبتكِ وتخطيطكِ لا يتركان مجالاً للتردد أو الرفض.”
اعتدلت الأرملة السوداء في وقفتها، وارتسمت على وجهها ابتسامة انتصار باردة:
“ممتاز، هذا هو ‘القط الأسود’ الذي أعرفه.. ذكي ويعرف مصلحته تماماً. حمايتك عند البارون وهنا مضمونة، وحصتك ستكون كما تفضل وأكثر.”
التفتت الأرملة السوداء إلى معاونها:
“صقر.. افتح الشاشة الرقمية فوراً، دع فريد يرى نقطة الكمين على الطريق وخطة الطوارئ لحماية الشحنة الطبية.”
المدينة الغائمة
في الجانب الآخر، حيث الضباب الكثيف يلف جدران المدينة الغائمة، كان البارون يقف خلف نافذة مكتبه العملاقة، يراقب حركة السحب الرمادية التي تداعب قمم الأبراج البعيدة. قاطعت صمته حركات واثقة ومنتظمة لخطوات تقترب؛ إنها ليليان، التي تقدمت بخطى هادئة وهي تحمل جهازاً لوحياً مشفراً وتضعه على طاولة المكتب الفاخرة.
التفت البارون ببطء، بملامحه الصارمة التي لا تُقرأ، وسأل بصوت عميق يحمل هيبة السنين:
“هل تواصلتِ مع سلافة؟ هل تم الاتفاق مع فريد؟”
ابتسمت ليليان ابتسامة خفيفة وواثقة:
“لقد تم الأمر كما خططتم له تماماً يا سيدي، فريد وافق على تأمين المحيط.”
ابتعد البارون عن النافذة، ومشى ببطء نحو مقعده الجلدي الفخم، وشبك أصابعه واضعاً يديه أمام وجهه:
“ممتاز، سلافة ستضرب عصب حياة آل السامر في ميناء مدينة الأبراج، لكن العبء الأكبر يقع هنا.. في المدينة الغائمة.”
فتحت ليليان الشاشة الرقمية على الطاولة واستعرضت الخرائط اللوجستية للمدينة الغائمة:
“رجالك في حالة تأهب قصوى يا سيدي. بمجرد أن ينجح رجال الأرملة السوداء في قطع الطريق والسيطرة على شحنة الأجهزة الطبية والإلكترونيات، ستتحرك القافلة عبر الطرق الجبلية الوعرة المؤدية إلينا لتجنب رادارات ودوريات المسامر. لكن، ما هو دورنا الدقيق في هذه الساعات الحرجة؟”
مال البارون للأمام، ولمعت عيناه بحدة:
“دورنا هو أنه عندما تصل الشحنة إلينا، سيتولى رجالكِ مهمة تفريغ البضاعة فوراً وتوزيعها على ثلاثة مستودعات سرية تحت الأرض. لا أريد أن يظهر أي أثر للبضاعة حتى الوقت المناسب.”
دونّت ليليان الملاحظات بسرعة وأضافت:
“وماذا عن خطوط الدفاع إذا استطاع رجال المسامر تتبع القافلة رغم غطاء فريد؟”
ضرب البارون الطاولة بخفة مستنكراً:
“لهذا السبب أمرتُ بنشر الحواجز الوهمية على مداخل المدينة. إذا حاول المسامر ورجال منظمته اختراق حدودنا، سيصطدمون بجدار من الضباب والكمائن التي لا يخرج منها أحد حياً. نحن لسنا فقط الطرف المستلم، بل نحن المستودع الآمن وعقل الخطة اللوجستي. إذا نجحنا في خنق آل السامر مالياً، سنكون قد مهدنا الطريق لسلافة لتفكيك إمبراطوريتهم خطوة بخطوة.”
نظرت إليه ليليان بإعجاب:
“كل شيء جاهز يا سيدي؛ المستودعات مؤمنة، والرجال ينتظرون الإشارة، ومسارات التهريب تحت السيطرة تماماً.”
رجع البارون بظهره إلى الخلف، ورفع كأساً من القهوة الدافئة وعيناه مثبتتان على الضباب بالخارج:
“إذن، لننتظر ضربة سلافة في مدينة الأبراج.. ولنرى كيف سيتصرف المسامر عندما يكتشف أن حراسته المشددة كانت مجرد وهم.”
يتبع…
[email protected]



