كتاب الرأي

حين أثقلنا أفراحنا

   ✍️ حفصة عبدالله العطاس- كاتبة سعودية

ما أجمل أن يعطي الإنسان بدافع المحبة.

وما أجمل أن يكون عطاؤه سببًا في إسعاد غيره، وعونًا له بعد الله عز وجل في إتمام فرحته.

فالهدية كانت وما زالت من أجمل صور المودة، وقد قال رسول الله ﷺ: «تهادوا تحابوا».

ولذلك، فأنا لا أدعو إلى إلغاء الهدايا، ولا إلى التخلي عن العادات الجميلة التي تربينا عليها، بل أتمنى أن تبقى كما عرفناها… خفيفة على القلب، وجميلة في معناها.

في السابق، كان الإنسان يزور من يحب بما يستطيع.

قد يحمل معه دلة قهوة، أو طبق حلوى أعده بنفسه، أو هدية بسيطة اختارها بمحبة.

ولم يكن أحد ينظر إلى قيمة ما يحمله، بل إلى قيمة حضوره.

أما اليوم…

فأصبحت أسمع حديثًا يتكرر في المجالس.

حديثًا لم يعد عن الفرح، بل عن القلق الذي يسبقه.

إحدى النساء قالت لي يومًا:

“كلما دُعيت إلى مناسبة، بدأت أفكر: ماذا سأقدم؟ وهل أستطيع أن أرد لهم ما قدموه لي؟”

وقالت أخرى:

“أصبحت أحسب عدد المناسبات، وعدد الهدايا، وأخشى أن أقصر مع أحد.”

وتأملت يومًا حديث فتاة لم تكن تخشى المناسبة نفسها، بل كانت تخشى ألا تستطيع مجاراة ما اعتاده الناس من التزامات، وكأن الفرح أصبح حسابات قبل أن يكون مشاركة.

حينها توقفت طويلًا… وحزنت.

ليس لأن الناس لم تعد تحب بعضها.

بل لأن بعضنا أصبح يحمل همَّ رد الجميل أكثر من فرحة المناسبة نفسها.

وما أحزنني أكثر أن أسمع من يتردد في إعلان خبر سعيد، أو مناسبة جديدة، لا لأنه لا يفرح بها، بل لأنه يخشى أن يثقل على من حوله بالهدايا والتكاليف.

وسألت نفسي:

متى تحولت الهدية من رسالة محبة… إلى حملٍ يسبق الفرح؟

ما أجمل أن أعطيك لأنني أحبك.

وأن أقف معك في فرحك لأن فرحك يعنيني.

وأن أزورك عندما ترزق بمولود.

وأطمئن عليك في مرضك.

وأشاركك نجاحك.

لا لأنني أخشى أن يقال يومًا:

وقفت معي… ولم أقف معها.

فالمحبة لا تُقاس بعدد الهدايا.

ولا بقيمتها.

ولا بعدد المناسبات.

المحبة تُقاس بصدق القلوب.

قالت لي إحدى الصديقات عبارة ما زالت عالقة في ذهني:

“إذا وسع الله عليك، فوسع على الناس.”

كم نحن بحاجة إلى هذا المعنى.

فمن وسع الله عليه، فليعطِ بطيب نفس، وليجعل عطاؤه سببًا في إدخال السرور على غيره.

أما من ضاقت عليه الأحوال، فلا ينبغي أن يحمل نفسه فوق طاقتها، ولا أن يشعر بالخجل لأنه لم يستطع أن يقدم أكثر.

فالكرم لا يُقاس بقيمة الهدية… بل بصدق النية.

وأجمل ما في العطاء أن يخرج من القلب.

لا خوفًا من العتاب.

ولا انتظارًا لرد الجميل.

وأذكر أن إحدى قريباتي قالت بعد مناسبة لها:

“والله ما فرحت بالهدايا كما فرحت بمن تعنوا وجاؤوا.”

توقفت عند عبارتها كثيرًا.

لأنها لخصت المعنى كله.

فقد يكون حضورك هدية.

وقد تكون كلمة صادقة هدية.

وقد تكون دعوة من قلبٍ محب هدية.

وليست كل الهدايا تُشترى.

فلتبقَ الهدايا.

ولتبقَ عاداتنا الجميلة.

لكن لنعُد بها إلى معناها الأول.

أن تكون عونًا…

لا عبئًا.

وأن تكون محبة…

لا التزامًا.

فأجمل الهدايا…

هي تلك التي تخرج من القلب…

فتصل إلى القلب.

وختامًا…

عيشوا لحظاتكم السعيدة.

وابتسموا.

فالمناسبات ليست سباقًا في قيمة الهدايا، بقدر ما هي اجتماعٌ للقلوب، وفرحةٌ للأهل، وذكرى جميلة تبقى في الذاكرة.

فلا تجعلوا شيئًا يسرق من أفراحكم معناها الجميل.

للتواصل [email protected]

شريفة راشد القطيطي

مديرة القسم الثقافي بصحيفة عنوان الاخبارية و ممثلة ولاية الخابورة في لجنة الكتاب والادباء العمانية وعضوة في لجنة الكتاب والأدباء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى