غابة الذئاب .. الأرملة السوداء الفصل الثامن عشر

✍️ سمير الشحيمي – كاتب عماني
المدينة الغائمة: الهروب ـــــ النجاة من الانفجار
«هيا بنا يا ليليان، أمامنا دقيقتان قبل أن يتحول هذا المكان إلى كومة من الركام!» قالها البارون وهو يسحب يد ليليان ويهربان.
على الجانب الآخر من الجدار الفولاذي السميك، استحال البرود المعتاد على وجه “المسامر” إلى جحيم من الغضب الصامت؛ فرنين سقوط الجدار الميكانيكي كان يعلن بوضوح: لقد خُدعوا جميعاً.
صوت التروس الميكانيكية التنازلية وهي تتحرك بصرير مرعب في جدران الحصن لم يكن يترك مجالاً للشك.. البارون قرر حرق كل شيء، وتحويل المكان إلى مقبرة من الرماد.
انطلق صوت “ديبوا” عبر أجهزة اللاسلكي، وجسده يرتجف إثر اهتزاز الممرات السفلية للحصن، صارخاً بنبرة هلع غير معهودة: «سام! “المسامر”! الحصن سوف ينهار على رؤوسنا!».
لم يضع “المسامر” ثانية واحدة، التفت إلى رجاله وصوته يدوي كالقذيفة: «تراجعوا فوراً إلى ساحة الشحن! الأجهزة الطبية والإلكترونية ما زالت داخل الشاحنات الثلاث! تحركوا!».
كانت الشاحنات الثلاث الضخمة تقبع في مكانها، محملة بصناديق الأجهزة الطبية الحيوية والقطع الإلكترونية، وكانت جدران الحصن الإسمنتية قد بدأت تتشقق وتتساقط كالمطر حول الشاحنات، وأي حطام كبير يسقط عليها قد يسحق المعدات الحساسة في لحظات.
01:00 دقيقة: اندفعت مجموعات “الذئب الأسود” نحو الشاحنات، و”ديبوا” يصرخ برعب وهو يرى سقف الساحة يتصدع: «لا وقت لدينا! قودوا الشاحنات إلى الخارج فوراً! شغلوا المحركات!».
00:45 ثانية: أُصيب أحد السائقين بشظية حجرية وسقط أرضاً، فاندفع “المسامر” وسط الغبار والدخان، وقفز بخطوات ثابتة داخل مقصورة الشاحنة الأولى، وأدار المفتاح الميكانيكي بعنف لتزمجر المقصورة بالحياة.
00:30 ثانية: أطلق رجال “ديبوا” الرصاص بكثافة لتدمير البوابة الحديدية العملاقة لساحة الشحن بعدما تعطلت أنظمتها الرقمية، لتُفتح الثغرة الأخيرة نحو النجاة.
صاح “المسامر” عبر اللاسلكي وسط دوي الانفجارات: «ديبوا! قُد الشاحنة الثانية! تماسكوا خلفي.. انطلقوااا!».
تحركت الشاحنات الثلاث الضخمة في طابور انتحاري، دافعةً بكل قوتها عبر المخرج الضيق، بينما بدأت الصمامات الميكانيكية الأخيرة للحصن تنفجر مطلقةً عواصف من اللهب والرماد الأسود.
اندفعت الشاحنة الأخيرة من البوابة، وفي غضون أجزاء من الثانية… انفجر الحصن بالكامل.
انهار الجبل الحصين خلفهم في مشهد مرعب؛ كتل صخرية وفولاذية ضخمة هبطت بفعل الجاذبية وضغط الغاز، لتهرس الساحة بأكملها وتحولها إلى ركام وغبار كثيف ابتلع الأفق، لكن الشاحنات الثلاث كانت قد عبرت خط الخطر بالكاد، وهي تترنح تحت وطأة الموجة الارتدادية.
ابتعدت الشاحنات وتتبعتها سيارات رجال منظمة “الذئب الأسود” مغادرةً المكان وعائدةً إلى مدينة الأبراج، وتحدث “ديبوا” عبر اللاسلكي بنبرة سعيدة: «لقد نجحنا أيها القائد! نجحنا يا مسامر!».
ابتسم “المسامر” ورد عليه قائلاً: «نعم نجحنا، أحسنتم يا رجال».
الجانب الآخر من هروب البارون وليليان
بينما كان الحصن يتزلزل خلفهما وصوت العداد التنازلي يتردد كالرعد في الممرات الضخمة، كان البارون يندفع بقوة وهو يمسك بمعصم ليليان، يتخللان شبكة من الأنفاق الضيقة المخفية خلف الجدار الفولاذي.
«إلى أين نحن ذاهبون يا بارون؟ المكان ينهار!» صرخت ليليان وهي تحاول موازنة خطواتها وسط الغبار المتساقط من السقف.
لم يلتفت البارون، بل ضاعف من سرعته وهو يجيب بنبرة حازمة: «إلى المخرج الاحتياطي.. تماسكي!»
وصلا إلى نهاية النفق حيث تقبع بوابة حديدية صغيرة، أدار البارون صماماً ميكانيكياً يدوياً بقوة، لتنفتح البوابة على منحدر صخري وعر يطل على وادٍ سحيق غطته غيوم المدينة الكثيفة. هناك، كانت تقف سيارة دفع رباعي مصفحة، مموهة بلون الصخور ومعدة خصيصاً لخطط الطوارئ القصوى.
قفزا إلى الداخل، ومع تشغيل البارون للمحرك، دَوى الانفجار الهائل وراءهما. اهتزت السيارة بعنف بفعل الموجة الارتدادية، وتطايرت الصخور من حولهما، لكن البارون ضغط على دواسة الوقود بقوة لتمزق السيارة جدار الضباب وتختفي في أحضان المدينة الغائمة.
نظر البارون عبر المرآة العاكسة إلى لهيب الحصن المشتعل في الأفق، واشتدت قبضته على مقود السيارة حتى ابيضّت مفاصله، ثم قال بنبرة فحيح مرعبة وعيناه تلمعان بالغل: «تظن أنك انتصرت يا “مسامر”؟ لقد أحرقتُ حصني بيدي، لكنني سأحرق قلبك وقلب “الذئب الأسود” قريباً.. هذه ليست النهاية، بل بداية جحيمك!».
يُتبع..
للتواصل [email protected]



