كتاب الرأي

المحارب السعيد قناع الابتسامة في زمن الكدح

         ✍️ ديمة الشريف – كاتبة سعودية :

خلف الستار المصقول للوظيفة، وفي الزوايا الدافئة التي نصنعها بكلمات الثناء اللطيفة، يرقد بطل تراجيدي معاصر. نسميه “المحارب السعيد”. إنه ذلك الموظف الذي يرتدي ابتسامته كل صباح كدرع واقٍ، ويمضي يكدح ليل نهار في طاحونة الحياة، مانحاً من حوله الدفء والتقدير، بينما يخفي في عمق روحه خيبات وآلاماً لا تُحصى.
بريق المظهر وخديعة اللقب
تبدأ الحكاية بكلمات مبهجة: “أنت مبدع”، “أنت جميل اليوم”، وتنتهي بلوحة برّاقة تُعلق على الجدار تحت عنوان “موظف الشهر”.
يبدو المشهد مثالياً للوهلة الأولى؛ وجه يبتسم، ومثابرة لا تلين.
لكن الصورة تضمر أكثر مما تُظهر.
هذه الابتسامة العريضة التي لا تفارق وجهه ليست دائماً دليلاً على الرضا، بل هي أحياناً حيلة دفاعية يمارسها المرء ليحافظ على تماسكه أمام صدمات البشر وخيبات الأمل المتكررة.
الاحتراق تحت عباءة اللطف إن أصعب ما في حياة هذا المحارب ليس الجهد الجسدي الذي يبذله، بل ذلك النزيف النفسي الصامت.
إنه يستقبل الجميع بحضن دافئ وكلمة طيبة تسعد خواطرهم، مواسياً غيره بينما يبحث هو في خلوته عمن يواسيه.
يتحول العمل هنا من مجرد مهنة إلى “جهاد عاطفي” مستمر، حيث يُجبر المرء على كبت أوجاعه وإظهار طاقة إيجابية مطلقة ليرضي محيطه، مما يؤدي في النهاية إلى “الاحتراق الوظيفي” المقنّع ما وراء موظف الشهرإن التكريم والثناء أدوات جميلة، لكنها تفقد قيمتها إذا لم تلامس الإنسان القابع خلف المسمى الوظيفي.
المحارب السعيد لا يحتاج فقط إلى درع تكريمي، بل يحتاج إلى بيئة عمل تدرك ألم كدحه، وتقدر تعبه، وتسمح له أحياناً بأن ينزع قناع القوة ليعلن عن تعبه دون خوف من اللوم أو الانتقاص.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى