كتاب الرأي

أخوة السلاح .. حين يبقى الوفاء بعد انتهاء الخدمة

    ✍️ إبراهيم الروسي – كاتب سعودي :

ليست كل العلاقات تُقاس بطول السنوات، فهناك علاقات تُبنى على المواقف، وتُوثقها ميادين الشرف، وتبقى راسخة مهما تعاقبت الأعوام. ومن أصدق تلك العلاقات، أخوة وزمالة متقاعدي المظليين والقوات الخاصة، الذين جمعهم شرف الانتماء إلى إحدى أكثر الوحدات العسكرية تميزًا وانضباطًا، فصنعوا معًا تاريخًا من البذل والعطاء في خدمة الدين ثم المليك والوطن.

بدأت مسيرة الأخوة منذ أول يوم وطئت فيه أقدامهم ميادين التدريب، حيث امتزج العرق بالإصرار، وتعلموا أن النجاح لا يتحقق إلا بروح الفريق، وأن الثقة بالرفيق قد تكون سببًا في النجاة بعد توفيق الله. تقاسموا المشقة، وتحملوا صعوبة التدريبات، ووقفوا كتفًا بكتف في أداء الواجب، حتى أصبحت بينهم رابطة لا تعرف المصالح ولا تتأثر بتقلبات الحياة.

وعندما انتهت سنوات الخدمة العسكرية، لم تنتهِ حكاية الوفاء، بل بدأت صفحة جديدة عنوانها التواصل والمحبة وصلة الرحم بين رفاق السلاح. فما أجمل أن ترى هؤلاء الرجال يلتقون في الأفراح، يشاركون إخوانهم مناسباتهم السعيدة، ويحيطونهم بالمحبة والدعاء، وما أصدق مواقفهم في الأتراح، حين يحضرون للمواساة، ويقفون صفًا واحدًا كما كانوا بالأمس في ميادين الواجب.

لقد أثبت متقاعدو المظليين والقوات الخاصة أن التقاعد نهاية للخدمة العسكرية، لكنه ليس نهاية للعطاء، ولا نهاية للأخوة. فما زالت هواتفهم تتبادل السؤال، ومجالسهم عامرة بالمودة، ولقاءاتهم شاهدة على أن رجال المظليين لا ينسون رفاق الدرب، وأن الوفاء لديهم خلقٌ أصيل لا يتغير بمرور الزمن.

إن ما نشاهده اليوم من تكاتفهم، وتواصلهم، وحرصهم على حضور المناسبات الاجتماعية، يجسد أجمل صور التلاحم الإنساني، ويعكس القيم التي تربوا عليها داخل المؤسسة العسكرية؛ قيم الوفاء، والانضباط، والإخلاص، والإيثار، والوقوف مع الأخ في كل الظروف.

فهنيئًا لكل من تشرف بارتداء شعار المظليين والقوات الخاصة، وهنيئًا لكل من بقي وفيًا لرفاقه بعد سنوات الخدمة. إنهم يقدمون للمجتمع درسًا عمليًا في معنى الأخوة الصادقة، ويؤكدون أن الرجال الحقيقيين لا تنتهي رسالتهم بانتهاء الخدمة، بل تستمر في أخلاقهم، ومواقفهم، ووفائهم الذي يبقى شاهدًا على معدنهم الأصيل.

حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها أمنها واستقرارها، وحفظ رجالها الأوفياء، ورحم من رحل منهم، وأدام الألفة والمحبة بين رفاق السلاح، فهم صفحات مشرقة من تاريخ الوطن، ونماذج مضيئة للوفاء والتكاتف.

شريفة راشد القطيطي

مديرة القسم الثقافي بصحيفة عنوان الاخبارية و ممثلة ولاية الخابورة في لجنة الكتاب والادباء العمانية وعضوة في لجنة الكتاب والأدباء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى