كتاب الرأي

هل تقيس الرخصة المهنية كفاءة المدرب أم معرفته بتصميم الحقائب؟

   ✍️ محمد آل مشافع – كاتب سعودي :

لا يختلف اثنان على أهمية تنظيم مهنة التدريب، ولا على ضرورة وجود معايير تضمن جودة المخرجات التدريبية وتحمي المستفيدين من الممارسات غير المهنية. كما أن مبدأ الرخصة المهنية للمدربين يُعد خطوة إيجابية في مسار تطوير قطاع التدريب ورفع مستوى الموثوقية فيه. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تقيس الرخصة المهنية الكفاءة التدريبية الحقيقية للمدرب، أم أنها تقيس جانبًا محددًا من المعرفة لا يمثل جميع المدربين؟
‎في السابق، كانت تراخيص التدريب تُمنح بناءً على المؤهلات العلمية والخبرات المهنية وسجل الممارسة الفعلية، وهو معيار يرتكز على ما يملكه المدرب من خبرة وقدرة على نقل المعرفة والمهارة إلى المتدربين. أما اليوم، فقد أصبح الحصول على الرخصة المهنية مرتبطًا باختبارات تتناول تصميم الحقائب التدريبية ونظريات التعلم والنماذج العالمية للتدريب ومفاهيم متخصصة تتطلب الاطلاع على كمٍّ كبير من المراجع والمواد العلمية.
‎ولا شك أن هذه المعارف مهمة لمن يعمل في تصميم البرامج التدريبية وتطويرها، لكن الإشكالية تظهر عندما تتحول إلى معيار موحد للحكم على جميع المدربين بمختلف تخصصاتهم. فهل من المنطقي أن يُقاس المدرب الجراحي، أو المهندس الخبير، أو المدرب العسكري، أو المرشد السياحي، أو مدرب الطيران الشراعي بالمعايير نفسها التي يُقاس بها مصمم الحقائب التدريبية؟
‎إن القيمة الحقيقية للمدرب المتخصص لا تكمن في قدرته على استعراض النظريات التربوية أو نماذج التصميم التدريبي بقدر ما تكمن في قدرته على نقل الخبرة المهنية والمهارة التطبيقية التي اكتسبها عبر سنوات من الممارسة. فالمدرب في الطيران الشراعي، على سبيل المثال، يقضي معظم وقته في تعليم إجراءات السلامة ومهارات الطيران والتعامل مع الظروف الجوية، وهي مهارات عملية لا يمكن اختزالها في معرفة نظرية بتصميم الحقيبة التدريبية. والأمر ذاته ينطبق على عشرات التخصصات المهنية والفنية التي تعتمد في جوهرها على الخبرة الميدانية أكثر من اعتمادها على البناء النظري للبرامج التدريبية.
‎ومن الملاحظ أن كثيرًا من المدربين لا يقومون أصلًا بتصميم الحقائب التدريبية من الصفر، بل يعتمدون على حقائب معتمدة أو برامج جاهزة ومحكّمة علميًا، بينما يتركز دورهم الأساسي في تقديم المحتوى بكفاءة، وإكساب المتدربين المهارات المطلوبة، وتحقيق الأهداف التدريبية المرجوة. ولذلك فإن التركيز المفرط على جانب تصميم الحقائب قد يؤدي إلى إغفال العنصر الأهم، وهو القدرة الفعلية على التدريب ونقل الخبرة.
‎إن المطالبة بمراجعة آلية الرخصة المهنية لا تعني الاعتراض على مبدأ الترخيص، بل تهدف إلى تعزيز عدالته ومواءمته لطبيعة المهنة. فالأجدى أن تتنوع مسارات التقييم وفق التخصصات، بحيث يُقيَّم مصمم البرامج التدريبية وفق المعارف المرتبطة بعمله، ويُقيَّم المدرب المتخصص وفق خبرته المهنية وكفاءته التطبيقية وإنجازاته في مجاله.
‎إن التدريب في جوهره ليس حفظًا للنظريات، بل صناعة للمهارات وبناء للقدرات ونقل للخبرات. وكل نظام مهني يسعى إلى قياس الكفاءة الحقيقية ينبغي أن يوازن بين المعرفة النظرية والخبرة العملية، وأن يدرك أن المدربين ليسوا نسخة واحدة، بل خبرات متنوعة وتخصصات متباينة، لكل منها طبيعتها ومتطلباتها ومعايير نجاحها.
ومن هنا، فإن نجاح الرخصة المهنية للمدربين لن يتحقق من خلال توحيد معايير التقييم بقدر ما يتحقق من خلال مراعاة خصوصية التخصصات المختلفة، والانتقال من قياس المعرفة العامة إلى قياس الكفاءة المهنية الحقيقية ، وتحويل الخبرة الى قيمة مضافة تسهم في تنمية الإنسان وتطوير المهن وحب الوطن .

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى