سقطة الخوف.. . حين تخذل الأقنعة أصحابها

✍️عائشة السبيعي -كاتبة سعودية :
في مسارح الحياة اليومية، يرتدي الكثيرون أقنعة متقنة لحجب الحقائق أو لتزييف مواقفهم، ظناً منهم أن الأقنعة تدوم، وأن المواراة قادرة على طمس معالم الحقيقة إلى الأبد. إلا أن النفس البشرية تنطوي على ثغرة غائرة لا يمكن التحكم بها مهما بلغت حيلة المرء وسيطرته؛ وتلك الثغرة هي “الخوف”.
وهنا قد يتبادر إلى ذهن القارئ اعتراض منطقي؛ أليس من حق الإنسان أن يحتفظ بخصوصيته وألا يكون “كتاباً مفتوحاً” مشاعاً أمام الجميع؟ والحقيقة أن التحفظ والخصوصية فضيلة، لكننا هنا لا نتحدث عن إنسان ينكفئ على نفسه حمايةً لخصوصيته، بل نسلط الضوء على موقفٍ مغايرٍ تماماً: موقف الإنسان حين يتعدى حدوده ليقذف غيره بما ليس فيه، ويلفق التهم الباطلة، ويفتري على الأبرياء بغير حق.
في هذه الحالة بالذات، يتحول القناع من وسيلة تحفّظ إلى أداة اعتداء، وهنا تحديداً يتدخل القانون النفسي والرباني ليفضح المعتدي.
تُعرف الفراسة العربية والتحليلات النفسية الحديثة هذا المفهوم العميق بـ “سقطة الخوف”. وهي تلك اللحظة الحرجة التي يفقد فيها الوعي الدفاعي للمعتري توازنه تحت وطأة الرعب من عاقبة افترائه، فيندفع لقول أو فعل ما يظنه حماية لنفسه، ليتبين أنه في واقع الأمر قد قدم الدليل الأكبر على زيف ادعائه.
إن البريء المظلوم لا يلتفت إلى العقوبة، ولا يستبق الدفاع عما لم يقترفه، لأن يقينه الداخلي بالحق يمنحه ثباتاً وهدوءاً يجعل كلماته موجزة ومباشرة، لا لَبْس فيها ولا تزيّد. أما المتوجس الظالم، فإن تفكيره لا ينصبّ على إظهار الحقيقة، بل يتمركز بالكامل حول “كيفية النجاة من عقاب افتراءاته”.
هذا الاستغراق في الخوف من النتيجة يجعله يقع في التناقض الفاضح؛ فيتكلم بلسان الدفاع قبل أن يُوجَّه إليه الاتهام، ويرفض التبعات والحدود قبل أن تُقرَّ عليه، مفطوراً بطبعه على ارتباك داخلي يُترجم في العلن كاعتراف ضمني مكتوب وموثق بفعل يده.
وفي هذا المعنى، يذكر الإمام ابن القيم لفتةً باهرة في كتابه (الفراسة) عن ارتباك المخطئ وفضيحة خوفه، حيث يوضح أن المتلعثم بالباطل يظهر أثره على لسانه وقلمه رغماً عنه، ويقول: “إن الصادق يأتيك والمسألة عنده واحدة، لا يتفقد أطراف كلامه ولا يحترز، أما الكاذب فإنه يتفقد أطراف كلامه ويحترز، فيفضح نفسه من حيث أراد حمايتها”.
وهو تماماً ما يتقاطع مع المقولة الفلسفية الشهيرة للفرنسي فيكتور هوجو: “الخوف هو الاعتراف الصامت بالذنب”. فكل محاولة مستميتة للاحتراز والدفاع ضد عقوبة قبل إثباتها من شخص تولى كِبر الافتراء، هي في العمق صرخة خوف يطلقها الوعي المأزوم، معلنةً سقوط القناع ونطق الحق رغماً عن صاحبه.
من هنا، تظهر الحكمة الربانية في إدارة الكون؛ إذ لا يصح في النهاية إلا الحق، والباطل لجلجٌ يملك دائماً تاريخ صلاحية ينتهي عند أول مواجهة حقيقية. إن “سقطة الخوف” ليست مجرد زلة لسان أو عثرة قلم، بل هي قانون إلهي ونفسي صارم، يُسقط الأقنعة رغماً عن أصحابها، ليتحدث الصمت حين يعجز الكذب، وينطق الحق من حيث ظنّ أهل الباطل أنهم يحكمون وثاق الحيلة.
فالحق أبلج، والصدق حصنٌ لا يحتاج إلى منمق الأدلة، بينما الخوف يظل دائماً المشنقة التي ينسجها المفترون حول أنفسهم، ليقعوا في شر أعمالهم من حيث لا يشعرون.
للتواصل : [email protected]



