حين يتحول الحسد إلى سلعة

✍️ريم منصور سلطان – كاتبة سعودية :
يولد الإنسان مزودًا بحاجات أساسية واضحة، هي الطعام والمأوى والأمان والإنتماء، لكن الحضارة الحديثة لم تكتفِ بتلبية هذه الحاجات، ولكنها إكتشفت شيئًا أكثر ربحية ألا وهي صناعة الرغبات، ومن هنا بدأت واحدة من أكثر القصص تعقيدًا ورعبا في التاريخ الإنساني، قصة السوق الذي لا يبيع المنتجات فقط، إنما يبيع المشاعر أيضًا.
في الظاهر، يبدو الإعلان مجرد وسيلة للتعريف بسلعة أو خدمة، لكن حين نتأمله بعمق، نكتشف أنه نادرًا ما يحدثنا عن المنتج نفسه، فشركة الساعات الفاخرة لا تبيع الوقت، وشركة السيارات لا تبيع وسيلة نقل، ودار الأزياء لا تبيع قطعة قماش، ما يُباع في الحقيقة هو شعور خفي بالتميز والتفوق والقبول الإجتماعي، السلعة ليست سوى وعاء يحمل وعدًا نفسيًا أكبر منها.
لقد فهم المسوقون منذ زمن أن الإنسان لا يقارن نفسه بالأشياء، لكنه يقارن نفسه بالآخرين، فنحن نعيش داخل شبكة معقدة من المقارنات المستمرة، أو بمعنى أكثر تجرد نحن نعيش حالة من الحسد من الأخرين، فنقيس نجاحنا بنجاح غيرنا ، و سعادتنا بسعادتهم، ومن هذه الحقيقة البسيطة ولد إقتصاد كامل قائم على إستثمار مشاعر الغيرة والحسد والشعور بالنقص.
في الماضي كانت المقارنة محدودة بحدود القرية أو الحي أو دائرة الأصدقاء، أما اليوم فقد تحولت الهواتف المحمولة إلى نوافذ مفتوحة على حياة الملايين، نستيقظ لنرى صور السفر والنجاح والرفاهية، ونتنقل بين عشرات القصص التي تعرض لنا نسخًا منتقاة بعناية من حياة الآخرين، لا نرى التعب الذي سبق الصورة، ولا الفشل الذي إختفى خلفها، ولا القلق الذي يرافق صاحبها، نرى فقط النتيجة النهائية اللامعة.
ومع تكرار هذه المشاهد يبدأ شعور خفي بالتشكل في أعماقنا، ليس بالضرورة حسدًا مباشرًا، لكن إحساسًا بأننا متأخرون عن الآخرين، أو أننا نفتقد شيئًا ما، وهنا يتدخل السوق ليقدم الحل السحري، إشترِ هذه الساعة، اقتنِ هذا الهاتف، ارتدِ هذه العلامة التجارية، وستصبح أقرب إلى الصورة التي تحسدها أو تغبطها.
أن المشكلة لم تكن يومًا في السلعة ذاتها، إنما في ذلك الشعور الذي سبق شراءها، ولذلك فإن إمتلاك المنتج لا يحقق الراحة المنشودة إلا لفترة قصيرة، فبعد أيام أو أسابيع يظهر نموذج أحدث، أو شخص يمتلك ما هو أفضل، فتعود دائرة المقارنة من جديد، وهكذا يدخل الإنسان في سباق لا خط نهاية له، يركض فيه وراء شعور مؤقت بالكفاية لا يلبث أن يتلاشى.
والأخطر من ذلك أن كثيرًا من الرغبات التي نظنها نابعة من داخلنا ليست لنا أصلًا، لقد زُرعت في وعينا ببطء عبر الإعلانات والصور والمحتوى اليومي، فنحن لا نريد بعض الأشياء لأنها تناسبنا، ولكن لأننا تعلمنا أن الآخرين سيحترموننا أكثر إذا إمتلكناها، وفي هذه اللحظة يفقد الإستهلاك براءته، ويتحول إلى محاولة مستمرة للحصول على الأعتراف الإجتماعي.
إن السوق الحديث لا يعتمد على إقناع الإنسان بأنه يحتاج إلى المنتج، إنما على إقناعنا بأننا غير مكتملين بدونه، ولذلك فإن الرسالة الخفية خلف كثير من الحملات التسويقية ليست: (هذا المنتج جيد)، بل (أنت لست جيدًا بما يكفي حتى تشتريه) إنها تجارة تقوم على تضخيم شعور النقص ثم بيع الوهم الذي يعد بإزالته.
لكن السؤال الفلسفي الأهم هو: ماذا يحدث حين يبني الإنسان قيمته الذاتية على ما يملك؟ عندها يصبح أسيرًا لمعايير خارجية لا تنتهي، فكل قيمة مستمدة من الممتلكات يمكن أن تتبخر مع ظهور ما هو أحدث أو أغلى، أما القيمة الحقيقية فهي تلك التي تنبع من الداخل كالمعرفة، والخلق، والعلاقات الإنسانية، والقدرة على العيش في سلام مع الذات.
ليس المقصود من هذا الحديث أن الإستهلاك شر أو أن الرغبة في الجمال والرفاهية خطأ، المشكلة تبدأ حين يتحول الشراء إلى وسيلة لتعويض فراغ داخلي أو للهروب من شعور بالنقص صنعته المقارنات المستمرة، فهناك فرق كبير بين أن تشتري شيئًا لأنك تريده حقًا، وأن تشتريه لأنك لا تريد أن تبدو أقل من غيرك.
وربما تكون الحرية الحقيقية في عصر الإستهلاك هي القدرة على التوقف للحظة قبل الشراء وسؤال النفس بصدق: هل أحتاج هذا الشيء؟ أم أنني أحتاج الشعور الذي أظن أنه سيمنحني إياه؟ عندها فقط يبدأ الإنسان في استعادة سيادته على رغباته.
فالسوق يستطيع أن يبيعنا آلاف الأشياء، لكنه لا يستطيع أن يمنحنا الرضا، ذلك أن الرضا ليس منتجًا يُشترى، ولا علامة تجارية تُرتدى، ولا صورة تُنشر على الشاشات، إنه حالة داخلية تنشأ حين يتصالح الإنسان مع نفسه، ويتوقف عن قياس قيمته بما يملكه الآخرون، وعندها يكتشف أن أغلى ما يمكن أن يمتلكه ليس شيئًا جديدًا، بل حرية قديمة تدعى: الإكتفاء.
للتواصل : [email protected]



