كتاب الرأي

البصمة لا تصنع الإنتاجية…

         ✍️ روان طلاقي- كاتبة سعودية :

هل وجود الموظف في المكتب لثماني ساعات يعني بالضرورة أنه كان منتجًا؟ سؤال يستحق التفكير…
أصبحنا نعيش في زمن تغيّرت فيه طبيعة العمل، وأصبحت النتائج هي المقياس الحقيقي، لا عدد الدقائق التي قضاها الموظف خلف مكتبه أو وقت تسجيل دخوله عبر جهاز البصمة.
أنا لا أعارض الانضباط، بل أؤمن بأنه أساس نجاح أي منشأة. لكن الانضباط الحقيقي لا يبدأ من بصمة دخول، وإنما يبدأ من وضوح الأهداف، ومعرفة كل موظف للأهداف المطلوبة منه ، ثم منحه المساحة والطريقة التي تمكنه من تقديم أفضل ما لديه.
ليس كل المبدعين يبدعون داخل الجدران نفسها، ولا في الساعات نفسها. هناك من ينجز أكثر في مقهى هادئ، وآخر في منزله، وثالث في المكتب. المهم أن تتحقق الأهداف، وأن تكون هناك مسؤولية ومحاسبة عادلة على النتائج.

ولهذا أرى أن بناء آلية عمل واضحة لكل موظف أكثر قيمة من مراقبة حضوره بالدقيقة. عندما يكون لكل شخص أهداف محددة، ومؤشرات أداء واضحة، وجدول زمني متفق عليه، يصبح من السهل قياس الإنجازه الحقيقي.
أما أن يُخصم من راتب موظف لأنه تأخر دقيقة واحدة، بينما قد يكون من أكثر الأشخاص إنتاجية، فهذه ثقافة تقيس الالتزام بالوقت فقط، ولا تقيس قيمة العمل نفسه. في المقابل، إذا لم يحقق الموظف أهدافه، فالحل ليس العقوبة المباشرة. البداية يجب أن تكون بالمناقشة: ما السبب؟ هل المشكلة في المهارة؟ أم في وضوح المطلوب؟ أم في بيئة العمل؟ ثم يأتي التوجيه، وبعده المتابعة، ثم المحاسبة عند تكرار التقصير. فالعقوبات يجب أن تكون تدريجية، وعادلة.
ومن أكثر الأمور التي أستغربها أن بعض المنشآت تستقطب موظفين دون أن توفر لهم وصفًا وظيفيًا واضحًا، أو تدريبًا كافيًا، ثم بعد فترة قصيرة تُصدر حكمًا بأن هذا الموظف غير مناسب.
كيف نطلب من شخص أن ينجح في مهمة لم نشرحها له أصلًا؟ فنجاح الموظف ليس مسؤوليته وحده، بل هو مسؤولية مشتركة بينه وبين المؤسسة. فالمؤسسة مسؤولة عن توفير بيئة واضحة، وتوقعات محددة، وأدوات تساعده على النجاح، والموظف مسؤول عن الالتزام، والتطوير، وتحقيق النتائج.

كل إنسان يحتاج إلى فترة يتعلم فيها، ثم يتمكن، ثم ينطلق. لا يمكن أن نطالب بالاحترافية منذ اليوم الأول، ثم نستغرب عندما يفشل الموظف في بيئة لم تُهيأ له.
أنا أؤمن بأن مستقبل بيئات العمل لن يكون للأكثر تشددًا في مراقبة الحضور، بل للأذكى في إدارة المواهب. فالمنشآت التي تثق بموظفيها، وتبني ثقافة قائمة على النتائج، وتمنح مساحة للإبداع مع وضوح في المسؤوليات، هي التي ستكسب ولاء موظفيها، وستحقق أفضل النتائج على المدى الطويل.
فالنجاح لا يُقاس بعدد البصمات المسجلة، بل بعدد الإنجازات التي صنعت أثرًا حقيقيًا.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى