أجسادٌ في المجالس.. وأرواحٌ في “العدم الرقمي

✍️ فهد باسودان – كاتب سعودي :
نحن نعيش اليوم مفارقة مؤلمة؛ نقترب من بعضنا في المكان، لكننا نبتعد عن بعضنا في الروح. يجلس الواحد منا مع أهله، مع أصدقائه، في مجلس واحد، لكن الحقيقة الصادمة هي أن “الكرسي فارغ”. الجسد موجود، يستهلك الأكسجين ويشغل الحيز، لكن العقل والوعي يقبعان في مكان آخر، بعيداً وراء شاشة الهاتف.
إنها ليست مجرد “عادة سيئة”، بل هي “استلاب للإرادة”. فعندما يضع الإنسان رأسه في جواله لساعات في حضرة من يحب، هو يرتكب خطيئة في حق اللحظة. هو لا يغيب عن النقاش فحسب، بل يغيب عن “التجربة الإنسانية”. التواصل الحقيقي يتطلب حضوراً كاملاً؛ يتطلب أن تكون حاضراً بقلبك وبصرك، لا أن تكون “مستمعاً شبحياً” ينتظر إشعاراً جديداً.
لماذا يتبلد العقل؟
لأن هذا التشتت المستمر يقتل فينا القدرة على “التركيز العميق”. العقل المتبلد هو العقل الذي اعتاد على القفز من فكرة إلى فكرة، ومن صورة إلى صورة، دون أن يغوص في أي منها. عندما لا يمنح المرء جليسه نظرة كاملة من عينه، فإنه يحرم نفسه من قراءة أدق تفاصيل المشاعر، ومع الوقت، تضمر هذه القدرة، ويتحول الإنسان إلى كائن سطحي، يفهم الحياة من خلال “تغريدة” أو “مقطع قصير”، ويفقد القدرة على فهم الإنسان الذي يشاركه القهوة والحديث.
سوء الظن.. ضريبة الانشغال
وعندما نغيب عقلياً عن جلساتنا، نمتلئ بالظنون. لأننا لا نرى وجه الآخر بوضوح، ولا نسمع نبرة صوته الصادقة، نمتلئ بفراغات التفسير الخاطئ. الفجوة بيننا وبين من حولنا تتسع، ليس لأننا لا نتحدث، بل لأننا لا نرى بعضنا. نحن نجلس مع “أشباح” مشغولة، مما يولد الشعور بالوحدة وسط الزحام، ويجعلنا أكثر ميلاً لتأويل الكلام على محمل سيئ، لأننا فقدنا “رابط الثقة” الذي لا يُبنى إلا بالنظر في العين والإنصات الكامل.
إن دعوتي اليوم ليست للقطيعة مع التكنولوجيا، بل لانتزاع حقوقنا من هذه الأجهزة. إن الحقوق في المجالس ليست للجوّال، بل لمن يجلس أمامك. أعطِ من يجالسك حق عينك، وحق عقلك، وحق وقتك، فالحياة الحقيقية تُعاش في العيون، لا في الشاشات.



