كتاب الرأي

عندما يخوننا الجسد ويحجب القولون إشارات الاستغاثة!

    ✍️عائشة السبيعي -كاتبه سعودية :

في مساحة واسعة ومكيفة بشكل ممتاز داخل أحد المجمعات التجارية، حيث يسير كل شيء بهدوء، شعرتُ فجأة بزلزال صامت يضرب جسدي. لم يكن الأمر مجرد دوار عابر؛ بل شعرت بثقل غريب يربط قدمي بالأرض، وزغللة وشخوص مفاجئ في العينين وكأنهما تدفعان للخارج، يرافقها ماء الجسم الذي بدأ يتصبب بلا سبب. في تلك اللحظة، شعرت بـ “تشوش في المخ”—حالة من الضبابية الحادة وفقدان التركيز،

كنت واعية كفاية لأدرك أنني أمام عارض هبوط، ولم أتردد؛ بل سارعت فوراً إلى إجراء التحليل لأقف على حقيقة الأمر ، وكم كانت الصدمة حينما ظهرت النتيجة لتؤكد مخاوفي وتعلن أن السكر هبط إلى 72! عندها فقط هرعت لإشرب علبة العصير التي كانت معي لأتدارك الموقف.

وفي ليلة أخرى، انتفض جسدي واهتز رأسي بعنف أثناء النوم لأستيقظ حيث أحساسي كان في محله . أنه السكر وأجده قد قفز إلى 300!

هذه التجربة الشخصية العنيفة فتحت عيني على حقيقة مرعبة: السكري ليس مجرد أرقام نقرأها، بل هو معركة وعي وتدليس يمارسه الجسد أحياناً على صاحبه.

صراع الإشارات: كيف يحجب القولون استغاثة السكر؟

المشكلة الأكبر التي واجهتني، ويواجهها الكثيرون من مريضي السكر بنوعيه الأول والثاني ، هي: لماذا في بعض منا لم يشعر بالجوع قبل الهبوط؟

طبياً وعلمياً، عندما ينخفض السكر، يطلق الجسم هرمونات تحذيرية كالأدرينالين لتنبيه المريض عبر الجوع أو الرجفة. لكن عندما يجتمع اضطراب السكر مع “القولون العصبي”، تحدث خديعة حسية معقدة وتضاد في الإشارات العصبية؛ فالقولون المتهيج يرسل إشارات امتلاء وتخمة كاذبة للدماغ عبر العصب الحائر، مما يشل ويسحق إشارة الجوع تماماً.

يظن المريض أن معدته ممتلئة، بينما خلايا دماغه تتضور جوعاً وتوشك على الانهيار دون أي إنذار مبكر.

فخ النوم والتثاؤب
المستمر: الإنذار الأخير
كثيراً ما يهاجم مريضي السكر بنوعيه الأول والثاني نوم مفاجئ وثقيل، وتثاؤب مستمر رغم أننا استيقظنا للتو.

الدماغ يتغذى بنسبة 20 الى 25٪على الجلوكوز (السكر) ولا يملك مخزوناً منه. عندما يهبط السكر بشدة، يتوقف الدماغ عن العمل تدريجياً بسبب “المجاعة الخلوية”.
النوم هنا ليس رغبة في الراحة، بل هو بداية فقدان وعي وتوقف قسري لوظائف الدماغ؛ الدماغ يطفئ أجهزته ليوفر الطاقة المتبقية للمراكز الحيوية (مثل التنفس ونبض القلب). الاستسلام لهذا النوم دون سكر سريع يعني الدخول مباشرة إلى الغيبوبة الكاملة الصامته . لا قدر الله الاكل خير يكون بين الحياة والموت .

أعرف قصصاً لأشخاص أجبرهم النوم على إغلاق أعينهم، وعندما أتوا لإيقاظهم وتحريكهم وهزّ أجسادهم، لم يبدوا أي استجابة على الإطلاق، لينتهي بهم المطاف في العناية المركزة.

لذلك، أصبحت قاعدتي الذهبية: التثاؤب غير المبرر والنوم المفاجئ يعني “حلل فوراً وقبل أن تضع رأسك على الوسادة”.
سيكوسوماتيك: هل نظلم السكر؟

وهنا نلمس واحدة من أعمق الحقائق النفسية-الجسدية (Psychosomatic) في الطب، وهو علم يطلق عليه علمياً “محور الدماغ والغدد الصماء”. فمن الظلم والنبل والعدالة أن نرفض ظلم السكر واعتباره مجرد مرض ميكانيكي بحت ونضع كامل المسؤولية عليه؛ بل لنضع المسؤولية الحقيقية على طريقة تعاملنا مع انفعالاتنا اليومية.

فالزعل، والتفكير الزائد المستمر، والعيش في روتين ممل ضاغط، كلها مسببات مباشرة لاضطراب مستويات السكر صعوداً وهبوطاً.

علمياً وطبياً، يدخل الجسم في “معركة الهرمونات” عندما يتعرض الإنسان لزعل، أو مشادة كلامية، أو ضغط نفسي مستمر؛ حيث يفرز الدماغ فوراً هرمونات التوتر مثل الكورتيزول والأدرينالين التي تضخ السكر بعنف في الدم أو تستهلك طاقة الجسم فجأة. وفي المقابل، تظهر البهجة، والأحاديث الودية المتبادلة، والضحك، والمشي كبلسم طبيعي يفرز هرمونات السعادة ليعيش المريض يوماً أو يومين في استقرار تام وراحة جسدية تغنيه حتى عن وخزة التحليل. إننا بحاجة لإدارة عقولنا وانفعالاتنا لحماية أجسادنا.

فوبيا الإبرة وقبلة الحياة “داخل الخد”
يتجنب الكثير من الناس الفحص لمجرد الخوف من “وخزة الإبرة” ورؤية قطرة الدم، وللأسف، هذا الخوف البدائي قد يكلفهم حياتهم ويقودهم لإغماءة مفاجئة وغيبوبة. لحسن الحظ، تجاوز العلم اليوم عصر الوخز المؤلم بفضل المستشعرات الذكية الحديثة: جهاز السنسور (المستشعر) لقياس السكر الذي يركب في الجسم يُعرف طبياً بـ أجهزة المراقبة المستمرة للجلوكوز (CGM)التي تلصق على الذراع وتقرأ السكر على مدار الساعة وتطلق إنذاراً في الهاتف قبل حدوث الكارثة.
ولكن، ماذا لو وقع الفأس بالرأس وأغمي على مريض السكر أمامنا؟

هنا ينبه الأطباء إلى خطأ فادح: إياك أن تسكب سائلًا أو عصيرًا في فم شخص مغمى عليه، لأن السائل سيدخل الرئتين ويسبب الاختناق. البديل الآمن والمنقذ—كما يوصي الدكاترة دائماً—هو أخذ كمية من العسل أو مربى الحلق بـ “طرف الإصبع”، ومسحها وتدليكها في جدار الخد من الداخل (يمينًا ويسارًا).

الأغشية المخاطية داخل الفم تمتص السكر بسرعة فائقة وتنقله للدم مباشرة، لتعيد للمريض وعيه وتنقذه من غيبوبة وشيكة قبل وصول الإسعاف.

وفي الختام : الوعي هو طوق النجاة.
إن كتابتي لهذه السطور ليست مجرد سرد لتجربتي، بل هي صرخة وعي. الجسد قد يخدعنا، والقولون قد يشوش علينا، وفوبيا الإبر قد تؤخرنا، لكن الوعي بالأعراض—من تشوش المخ إلى التثاؤب والنوم—هو الفاصل الحقيقي بين العودة للحياة أو السقوط في الغيبوبة.

لا تستسلموا للنوم المبهم، وحللوا لتطمئنوا، فالحياة أثمن من أن تسرقها لحظة غفلة.

المرء يقف مذهولاً أمام إعجاز الله ولطفه الخفي في أجسادنا؛ ففي تلك اللحظة التي تاه فيها وعيي وسط مجمع شديد البرودة، كان الله يدبّر حمايتي بنظام محكم لا نملكه، يشعل السخونة من الداخل ليحمي الأعضاء، وينزل الماء من الخارج ليوازن الجسد. سبحانه من يحرسنا بعينه التي لا تنام، ويتداركنا برحمته في كل موقف ونحن غافلون لا ندري، فالحمد لله أولاً وأخيراً على عظيم فضله وبديع صنعه.”
وهذه من واقع تجربتي للأفادة .

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى