بين ميزان السماء ونار القلب

✍️ريم منصور سلطان – كاتبة سعودية :
في اللحظة التي يتعرض فيها الإنسان للظلم لا يكون أول ما يبحث عنه هو الحقيقة، ولكن هو يبحث عن الراحة في أن يرى من آلمه يتألم ، في تلك اللحظة يبدو الإنتقام وكأنه الوجه الآخر للعدالة، حتى يختلط المفهومان في الوعي الإنساني، ويصبح من الصعب التمييز بينهما، لكن الحقيقة أن بين العدل الإلهي والإنتقام البشري مسافة شاسعة، وهي المسافة نفسها بين الحكمة وإشباع الغضب.
الإنتقام يولد من الجرح، أما العدل فيولد من الحقيقة فالإنسان حين ينتقم لا يسأل: ما الذي يستحقه الآخر؟ إنما يسأل: ما الذي يخفف ألمي؟ لذلك يصبح الألم هو المعيار، لا الحق، لهذا كثيرًا ما يتجاوز المنتقم حدود الإساءة الأولى، لأنه لا يبحث عن التوازن، وإنما عن تعويض شعوره بالعجز، أما العدل فلا يعرف هذه اللغة، لأنه لا يقيس الأمور بمقدار ما نشعر به،ولكن بمقدار ما تستحقه الأفعال.
ولعل أكبر مأساة في الإنتقام أنه يجعل الإنسان أسيرًا لمن ظلمه، فيظل مرتبطا به ويراقب سقوطه، ويتمنى تعثره، حتى يصبح الظالم حاضرًا في حياته أكثر مما ينبغي، إنه يظن أنه يعاقب خصمه، بينما هو في الحقيقة يمنحه مكانًا دائمًا في قلبه، أما العدل، فيحرر الإنسان من هذه العبودية الخفية، لأنه ينقل القضية من يد الإنسان المحدودة إلى ميزانٍ العدل الإلهي الذي لا يخطئ.
نحن بطبيعتنا نستعجل العدالة لأننا نقيس الزمن بعمر الألم، فإذا لم يسقط الظالم سريعًا، ظننا أن العدالة غابت، لكن الزمن الإلهي لا يعمل بمنطق إستعجالنا لأن الله لا يدير الكون بردود الأفعال، بل بالحكمة فقد يكون تأخير العقوبة جزءًا من إقامة الحجة، أوامتحانًا للمظلوم، وما نراه نحن تأخيرًا، قد يكون في ميزان الحكمة توقيتًا دقيقًا لا يختل.
ومن هنا يختلف العدل الإلهي عن كل أشكال العدالة البشرية، فالإنسان يحكم بما يرى، أما الله فيحكم بما يرى وما لا يرى. نحن نرى الفعل، وهو يرى النية، نحن نحاسب على الكلمة، وهو يعلم ما سبقها من خوف أو كبر أو جهل أو ضعف، لذلك يعجز الإنسان عن إقامة عدالة مطلقة، لأنه لا يملك إلا ظاهر الأشياء، بينما يقوم العدل الإلهي على علمٍ كامل لا يغيب عنه شيء.
والمفارقة أن كثيرًا من الناس يتصورون العقوبة الإلهية بصورة واحدة خسارة في المال، أو مرض، لكن ماذا لو كانت العقوبة أعمق من ذلك كله؟ ماذا لو كان أشد العقاب أن يعيش الإنسان بلا سكينة، وأن يملك كل شيء إلا راحة القلب؟ إن هناك أرواحًا تبدو ناجحة في أعين الناس، لكنها تحمل في داخلها خرابًا لا يراه أحد، وليس كل عقاب يُعلن على الملأ، فبعض العقوبات تبدأ من الداخل، حين يفقد الإنسان القدرة على التصالح مع نفسه.
وفي المقابل، ليست كل نجاة للمظلوم أن يرى خصمه يسقط، أحيانًا يكون الإنتصار الحقيقي أن يخرج من التجربة دون أن يتحول إلى نسخة أخرى من ظالمه، فالظلم لا يكتفي بإيذاء الضحية، ولكنه يحاول أن يغريها بأن تستخدم الأدوات نفسها التي استُخدمت ضدهم، وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي، هل سيقاوم الإنسان الشر بالعدل، أم سيقاومه بشرٍ آخر يحمل إسم الإنتقام؟
إن الإيمان بالعدل الإلهي لا يعني الإستسلام للظلم ولا التخلي عن الحقوق، فالدفاع عن الحق، واللجوء إلى القضاء، ومحاسبة المعتدي، كلها من صور العدل الذي أمر الله به، لكن الفارق الجوهري أن العدل يهدف إلى إعادة التوازن، بينما يهدف الانتقام إلى إشباع الغضب، الأول يحمي المجتمع، والثاني يوسع دائرة الألم.
ولعل أكثر ما يحتاجه الإنسان في زمن تتسارع فيه الأحكام، هو أن يدرك أن العدالة ليست مرادفًا للرغبة الشخصية، فما نريده ليس دائمًا هو ما ينبغي أن يكون، وقد يظن المظلوم أن راحته في سقوط خصمه، ثم يكتشف أن الطمأنينة لا تُبنى على خراب الآخرين، إنما على يقينٍ عميق بأن الحقوق لا تضيع عند الله، وإن تأخر ظهورها.
لهذا كان الإيمان بالعدل الإلهي تحريرًا للإنسان قبل أن يكون وعدًا له، فهو يعفيه من حمل ميزان الكون على كتفيه، ويمنعه من أن يتحول إلى قاضٍ وجلادٍ في الوقت نفسه، ويعلمه أن أعظم أشكال القوة ليست القدرة على رد الأذى، ولكن في القدرة على ألا يسمح للأذى بأن يغيّر جوهره.
فالانتقام قد يمنح الإنسان لحظة إنتصار، لكنه كثيرًا ما يتركه أكثر ظلمة مما كان، أما العدل الإلهي، فإنه وإن تأخر في أعين البشر، يبقى الطريق الوحيد الذي يعيد لكل شيء موضعه الصحيح، لأنه لا ينتصر لأحد على أحد، بل ينتصر للحق نفسه.
ولهذا، فإن الفرق بين العدل والإنتقام ليس أن أحدهما يعاقب والآخر يعفو، فالانتقام يسأل: كيف أرد الألم؟ بينما يسأل العدل: كيف يعود الحق إلى مكانه؟ وبين السؤالين تتحدد أخلاق الإنسان وتتجلى حكمة الله.
للتواصل : [email protected]


