كتاب الرأي

زمن الأقنعة..والفلاتر!!

   ✍️أ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُزَيْنِي _ كَاتِبٌ سَعُودِيٌّ :

كان الناس يعيشون البساطة في كافة تفاصيلها، فارتاحوا واستراحوا.
بيت بسيط، ولقاء بسيط، وضحكة من القلب، وكلمة صادقة. لم يكن أحد يهتم إن كانت القهوة مقدمة في فنجان فاخر أو كوب عادي، ولا إن كانت الصورة جميلة أو عادية. كانت الحياة تسير على سجيتها، بلا تكلف وبلا حسابات. الناس يعرفون بعضهم على حقيقتهم، بعيوبهم ومزاياهم، فكانت العلاقات متينة لأنها مبنية على الوضوح.
اليوم نعيش زمن المثالية الزائفة والمتكلفة. زمن لا يكفي فيه أن تكون على طبيعتك، بل يجب أن تكون “نسخة محسنة” من نفسك دائماً. صار المطلوب أن يكون البيت مرتباً، كمانشاهد في وسائل التواصل، والسفر فاخراً كإعلانات السياحة، والأكل مرتباً كأنه في مطعم خمس نجوم. حتى اللحظات الخاصة صارت تؤجل حتى “تجهز” للتصوير.
ولبس الأقنعة ساعد على ذلك وسائل التواصل. فالكل يظهر أجمل ما لديه ويتكلف في ذلك. يختفي خلف الأقنعة ويتجمل بالفلاتر. ننشر صورة السفر ونخفي التعب، وننشر صورة الأكل ونخفي الخلافات، وننشر ابتسامة ونخفي الدموع. صار لكل واحد منا حسابان: حساب حقي نعيشه في الواقع، وحساب افتراضي نعرضه للعالم.
المشكلة ليست في التوثيق. التوثيق جميل ويحفظ الذكريات. المشكلة في التكلف الذي رافق التوثيق. صار الهدف من اللقاء أن نلتقط الصورة، لا أن نعيش اللحظة. صار الهدف من الهدية أن نصورها، لا أن نسعد بها. صار الهدف من الإنجاز أن نعلن عنه، لا أن نفرح به بيننا. وهكذا تحولت حياتنا إلى عرض مسرحي، الكل فيه ممثل، والكل فيه جمهور.
النتيجة أننا أتعبنا أنفسنا وأتعبنا غيرنا. أتعبنا أنفسنا لأننا نركض خلف معايير لا تنتهي. كلما حققنا شيئاً ظهرت صورة أجمل، وسفر أغلى، ومناسبة أفخم. فلا نرضى بما عندنا أبداً. وأتعبنا غيرنا لأننا جعلناهم يقارنون حياتهم البسيطة بحياتنا “المفلترة”. فنشأت الغيرة، ونشأ الإحساس بالنقص، والتمثيل وتزييف الحقيقة واضحاجليا، تكلف لا داعي له فقط لكي نظهر بمظهر معين.
والأخطر أننا فقدنا لذة البساطة. فقدنا لذة الجلسة التي لا كاميرا فيها، والحديث الذي لا يُنشر، والفرح الذي لا يحتاج تصفيق. نسينا أن أجمل الذكريات هي تلك التي لم تُصور، وأصدق الضحكات هي التي لم يسمعها أحد. نسينا أن الناس تحبك لأنك أنت، لا لأنك نسخة مثالية من شخص آخر.
لا أدعو لترك وسائل التواصل أو لرفض التطور. لكني أدعو لاستعادتها والتوازن. لنجعلها نافذة صغيرة على حياتنا، لا واجهة كاملة مزيفة. لننشر الجميل دون أن نخجل من العادي. لنعترف أننا نتعب، وأننا نخطئ، وأن بيوتنا أحياناً غير مرتبة. ففي هذا الاعتراف راحة كبيرة لنا ولمن يتابعنا.
كان أهلنا قبلنا يعيشون ويأكلون ويلبسون ويسافرون بلا أن يثبتوا شيئاً لأحد. فارتاحوا لأنهم كانوا أحراراً من حكم الناس. ونحن اليوم سجناء “اللايك” و”الكومنت” و”الستوري”. نلبس ما لا نحب، ونذهب حيث لا نريد، ونقول ما لا نعتقد، فقط لكي نبدو مثاليين.
ولعل السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا كل يوم: هل أنا أعيش لأجلي، أم أعيش لأجل الشاشة؟ هل أختار هذا الشيء لأنه يسعدني، أم لأنه سيبدو جميلاً في الصورة؟
إذا أردنا أن نرتاح ونريح، فلنعد خطوة للوراء. لنخلع القناع، ونمسح الفلتر، ونعيش ببساطة. فالسعادة لا تحتاج إضاءة احترافية، والراحة لا تحتاج خلفية فاخرة، والصدق لا يحتاج تعديل. يكفي أن نكون نحن.

للتواصل:[email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى