كتاب الرأي

المرأة في الباحة.. روح البيوت القديمة وذاكرة المكان

     ✍️ فاطمة الغامدي – كاتبة سعودية :

قد يظن البعض أن تاريخ منطقة الباحة يقتصر على حصونها ومدرجاتها الزراعية، إلا أن المرأة كانت الركيزة الأساسية التي قامت عليها الحياة الاجتماعية والاقتصادية في المنطقة. فقد شاركت الرجل مسؤوليات الحياة اليومية بكل جد واجتهاد، وأسهمت في بناء الأسرة والمحافظة على العادات والتقاليد التي ما زالت شاهدة على أصالة المجتمع حتى اليوم.

لعبت المرأة في الباحة دورًا بارزًا في النشاط الزراعي، حيث كانت تشارك في حراثة الأرض، وزراعة المحاصيل، وحصادها، وجلب المياه من الآبار والعيون، إلى جانب رعاية الماشية والاهتمام بشؤون المنزل. ولم يقتصر دورها على ذلك، بل أبدعت في الصناعات اليدوية، مثل الغزل والنسيج وصناعة السدو، وحياكة الملابس التقليدية، إضافة إلى إعداد السمن واللبن والأطعمة الشعبية التي اشتهرت بها المنطقة.

كما عكست أزياؤها التقليدية هوية الباحة الثقافية، فتميزت بالاحتشام والجمال والدقة في التطريز. وكان الثوب المشال من أفخم الأثواب التي ترتديها المرأة في المناسبات والأعياد، بينما استُخدم الثوب المكلف في الحياة اليومية لما يتميز به من بساطة وعملية. وحرصت المرأة على تغطية رأسها بالشيلة والمعصب، وارتدت المدارة فوق الثياب، وربطت حزام الحقو حول خصرها، لتكتمل بذلك ملامح الزي النسائي التراثي الذي يجمع بين الأناقة والأصالة.

ولم تغفل المرأة عن الزينة، فكانت تتزين بالحلي المصنوعة من الفضة الخالصة، مثل القلائد والأساور والخلاخيل، إلى جانب بعض الحلي الذهبية التي تعكس مكانتها الاجتماعية. وقد اشتهرت بعض القطع التراثية بأسمائها المحلية، لتصبح جزءًا من الموروث الشعبي الذي تتناقله الأجيال.

ولا يزال هذا التراث حاضرًا في ذاكرة أبناء الباحة، حيث تُقام المهرجانات والفعاليات التراثية التي تستعرض الأزياء التقليدية، والحرف اليدوية، وأدوات الحياة القديمة، تأكيدًا على أهمية المحافظة على هذا الإرث الثقافي وتعريف الأجيال الجديدة بدور المرأة العظيم في صناعة تاريخ المنطقة.

وفي الختام، تبقى المرأة في منطقة الباحة رمزًا للعطاء والصبر والإبداع، فقد كانت شريكة في بناء المجتمع، وحافظةً لتراثه، وناقلةً لعاداته وتقاليده عبر الأجيال، لتظل سيرتها مصدر فخر واعتزاز بتاريخ المنطقة العريق.

البيوت القديمة ليست مجرد جدران طينية أو حجرية، بل هي أوعية للذكريات، ودفء يتوقف فيه الزمن .

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى