البطالة… جرحٌ ينزف في جسد المجتمع

✍️سمسمه السعيد – كاتبة سعودية :
ليست البطالة مجرد رقم يُسجَّل في تقارير الاقتصاد ولا نسبة تُتداول في نشرات الأخبار بل هي أزمة تمسُّ كرامة الإنسان وتختبر قدرة المجتمعات على صون مستقبل أبنائها فحين يُحرم الإنسان من فرصة العمل لا يفقد مصدر رزقه فحسب بل يفقد جزءًا من شعوره بالقيمة والانتماء والإنتاج
لقد أصبح شبح البطالة من أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات الحديثة لما يخلّفه من آثار اقتصادية واجتماعية ونفسية عميقة فالشاب الذي يحمل شهادته العلمية ويطرق أبواب العمل عامًا بعد عام دون جدوى يتحول حلمه إلى خيبة، وطموحه إلى إحباط، حتى يغدو اليأس رفيقًا دائمًا له وما أشد قسوة أن يشعر الإنسان بأن قدراته تُهدر وأن سنوات تعليمه أصبحت حبيسة الأوراق
ولا تقف آثار البطالة عند حدود الفرد بل تمتد إلى المجتمع بأسره فهي تُضعف عجلة الإنتاج وتزيد معدلات الفقر وتوسع الفجوة بين طبقات المجتمع كما قد تدفع بعض الشباب إلى الانحراف أو الجريمة أو الهجرة بحثًا عن فرصة حياة كريمة فالمجتمع الذي يعجز عن استثمار طاقات شبابه إنما يهدر أثمن ثرواته لأن الثروة الحقيقية ليست النفط ولا الذهب بل الإنسان المنتج القادر على البناء والعطاء
ومن أسباب البطالة عدم التوازن بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل وضعف الاستثمار وقلة المشاريع التنموية إضافة إلى التطور التقني الذي ألغى كثيرًا من الوظائف التقليدية. لذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب رؤية شاملة تبدأ بتطوير التعليم وتشجيع ريادة الأعمال، ودعم المشروعات الصغيرة وتحفيز الاستثمار وتأهيل الشباب بالمهارات التي يفرضها العصر
إن العمل ليس وسيلة لكسب الرزق فحسب بل هو رسالة تبني الأوطان وتصنع الحضارات فكل يدٍ تعمل تزرع أملًا وكل عقلٍ ينتج يضيف لبنةً في صرح التقدم ومن هنا فإن القضاء على البطالة ليس مسؤولية الحكومات وحدها بل هو واجب تشترك فيه مؤسسات التعليم والقطاع الخاص وأفراد المجتمع حتى تتحول الطاقات المعطلة إلى قوى منتجة تسهم في نهضة الوطن
وفي الختام تبقى البطالة ناقوس خطرٍ لا يجوز تجاهله، لأنها إذا استفحلت أضعفت الاقتصاد وأرهقت المجتمع، وأطفأت جذوة الأمل في نفوس الشباب أما إذا وُجدت الإرادة وحُسن التخطيط واستُثمر الإنسان الاستثمار الصحيح فإن البطالة تتحول من أزمة إلى فرصة لإعادة بناء مجتمع أكثر قوةً وعدلًا وازدهارًا. فالأمم لا تنهض بكثرة مواردها وإنما تنهض بسواعد أبنائها وعقولهم والعمل هو الجسر الذي تعبر عليه الشعوب نحو مستقبلٍ أكثر إشراقًا وقوة من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة وتحقيق الاستقرار الذاتي
للتواصل : [email protected]



