كتاب الرأي

السهولة

  ✍️ منصور الزهراني – كاتب سعودي : 

في نهارٍ مشمس من نهارات صيف رمضان والساعة تقترب من الحادية عشرة صباحاً، كان المكان غارقاً في هدوءٍ ثقيل. انهماكٌ في العمل وأفكارٌ شاردة تتقافز بين العطش والجوع وحرارة الطقس وقلة النوم وشيءٍ من الضجر الذي يتسلل ببطء إلى الأرواح. كانت الطاولة أمامه تمتلئ بأوراقٍ مثقلةٍ بالتعديلات والإضافات وقائمةٍ طويلة من المهام التي بالكاد يفهمها هو ناهيك أن يفهمها غيره. وهي في الأصل ليست ضمن مهامه الوظيفية بل تتضمن اقتراحاتٍ كثيرة أغلبها خياليٌّ وتعجيزي.

لم يكن يشغل باله كيف ينجزها بل كيف يجد لها الطريق الأكثر تعقيداً. فإذا اقترح أحدهم حلاً بسيطاً وعملياً رفضه على الفور وبدأ ينسج سيناريوهاتٍ سلبية وافتراضاتٍ بعيدة عن الواقع يبرر بها استحالة تطبيقه. فكل فكرةٍ بسيطة تستفزه فيسارع إلى تحميلها من الاحتمالات المتوهمة ما يحولها إلى متاهةٍ لا تنتهي.

وفي أرجاء المكان طاقةٌ سلبية مبعثرة تختلط فيها أزمة الثقة مع فوبيا غامضة من كل شيء، توجسٌ غير مبرر وتنكرٌ للمسلمات وجحودٌ للعقلانية. بيئة عملٍ ممقوتة متناهية في التعقيد صنعها كائنٌ غريب الأطوار لا يبدو أنه يعرف طريق البساطة. كانت تلك هي بيئة عمل صديقي في الشركة التي يعمل بها والتي كان يحدثني عنها دائماً حتى صرت أعرف تفاصيلها الدقيقة كما لو أنني أعمل فيها.

في إحدى السهرات الرمضانية من ذلك العام بدأ صديقي حديثه بضحكاتٍ ساخرة لا يستطيع السيطرة عليها. كانت كلمة “سهولة” تتعثر بين شفتيه مهترئة من كثرة الضحك. حاولت أن أفهم لكن ضحكاته كانت تسبق كلماته. سرعان ما أصابتني عدوى الضحك فجلسنا نضحك بلا سبب واضح حتى هدأت العاصفة شيئاً فشيئاً. عندها بدأ يشرح. لم يكن يخطر في باله يوماً أن زميله في القسم عرّاب التعقيد وإمبراطور التوجس سيطالبه فجأة بـ”السهولة”. ربما قالها دون أن ينتبه إلى معناها وربما كانت زلة لسانٍ ندم عليها حين شعر أنها خرجت من فمه، فشخصيته توحي بانعدامٍ عميق للثقة في نفسه قبل غيره.

استحوذ هذا الرجل على جلستنا كلها. أخذنا نحلل شخصيته وأثرها على بيئة العمل. وبدافع الفضول قررت أن أزوره في مقر عمله لأختبر عليه بعض النظريات التي وضعتها عبر سنواتٍ طويلة من ملاحظة أنماط الشخصيات. كنت أظن أن تلك القواعد نجحت مع معظم الأنماط التي واجهتها لكنني أمام هذا الرجل اكتشفت أن كل نظرياتي قد فشلت. لقد كان يعيش في شكٍ دائم تجاه كل من حوله. يتخيل الإهانات حتى حين لا تكون موجودة ثم يتصرف على أساسها وكأنها حقيقة راسخة. ومع مرور الأيام بدأت أفهم شيئاً من قصته. لم تكن خبرته المهنية هي التي تقود تصرفاته بقدر ما كانت الشكوك والوساوس هي التي توجه بوصلة عمله وتعامله مع الناس. لم يكن يرى المخاطر بل كان يصنعها في ذهنه ثم يصدقها فينسج من أبسط الأفكار سيناريوهاتٍ سلبية لا وجود لها إلا في خياله قبل أن يتعامل معها وكأنها حقائق لا تقبل الجدل. وهكذا صار يزرع التردد والشعور بالتقصير والذنب في نفوس من يعملون معه وكأن العمل لا يكتمل إلا بهذا الإحساس الدائم بالنقص. هذا الرجل يميل دائماً إلى أن يحيط نفسه بمن هم أقل منه قدرةً أو جرأة “ويسوي عليهم فاهم” كالمغناطيس يجتذب الأغبياء ليبقى محاطاً بهم ينتظر منهم التأكيد والتأييد لكل ما يقول ويفعل. يفتح فمه معظم الوقت ظناً منه أنه “ياكل الجو” بينما في الحقيقة “ما يدري وين الله حاطه” ومع ذلك كان يبدو مرتاح البال دائماً. فالإنسان الذي لا يفهم كثيراً لا يتعب كثيراً.

لقد كان حظ صديقي العاثر أن يعمل في الشركة نفسها التي يعمل فيها هذا الرجل بل في القسم نفسه أيضاً. وقد قيل له قبل أن يلتحق بهذا العمل إن التعامل معه يشبه تحدياً صريحاً لقوانين الطبيعة والفطرة السليمة.

اليوم وبعد كل ما رأيت وجدت نفسي عاجزاً عن تقديم أي نصيحة لصديقي. لم أعرف طريقاً واضحاً للخلاص مما هو فيه سوى أحد احتمالين لا ثالث لهما: إما أن ينتظر بصبرٍ طويل حتى يتقاعد هذا الرجل.. أو يموت.

[email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى