المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية.. نحو شراكة مجتمعية تصنع الاستدامة البيئية

✍️أ . د . محمد شايع الشايع – أكاديمي وكاتب بجامعة الملك. سعود :
تتصاعد التحديات البيئية العالمية، التي لا تقتصر على المفاهيم التقليدية كالتلوث، واستنزاف الموارد، بل امتدت لتشمل تراجع التنوع الأحيائي، وتدهور الموائل الطبيعية واختلال التوازن البيئي. ومع تعقد هذه التحديات وزيادة وتيرتها أدرك القادة البيئيون، عبر تجارب علمية وميدانية، أن حماية البيئة لم تعد مهمة الحكومات، والجهات المختصة وحدها، بل مسؤولية مشتركة تتطلب مشاركة المجتمع بوصفه جزءاً من الحل، وركيزة أساسية في منظومة الإدارة.
ومن هنا برزت الحاجة إلى الانتقال من مفهوم الحماية القائم على الرقابة وفرض الأنظمة، إلى مفهوم أشمل يعكف على بناء الأنظمة الإدارية البيئية من خلال المجتمعات المحلية. إن تعزيز الوعي، وتحويل أفراد المجتمع إلى شركاء في المحافظة على الموارد الطبيعية، يرفع من قدرة المؤسسات البيئية على تحقيق أهدافها واستدامة نتائجها، فكلما زادت المشاركة المجتمعية اتسعت دائرة الأثر الإيجابي.
وفي المملكة يأتي دور المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية في قلب هذا التحول، إذ لا تقتصر مهمته على حماية الحياة الفطرية، ومراكز اكثارها، وتطبيق الأنظمة ذات العلاقة، بل تمتد لبناء جسور التعاون مع المجتمع وتعزيز ثقافة المسؤولية المشتركة. لقد عكف المركز على تفعيل الشراكات، والاستماع لحاجة المجتمعات المحلية، وتوظيف متطلبات المنظمات الدولية وفق أعلى المعايير، للوصول إلى النمط العلمي والإداري الأمثل في الحفاظ على التنوع الأحيائي، إيماناً بأن الحياة الفطرية ثروة وطنية تستحق الحماية والتقدير.
وتتبنى المنظومة العاملة في المركز توجهاً يدعم هذه الشراكة من خلال محاكاة التجارب العالمية الناجحة، ففي الولايات المتحدة الأمريكية تحولت برامج المجتمع العلمي “Citizen Science” إلى أحد أهم مصادر المعلومات البيئية بعد أن شارك آلاف المتطوعين، في رصد الطيور والكائنات الفطرية وجمع البيانات الميدانية، ولم تقتصر نتائج هذه البرامج على توفير المعلومات العلمية، بل أسهمت في رفع الوعي وتعزيز ارتباط المجتمع بقضايا البيئة. وبالمثل اتجهت دول أوروبية عديدة إلى تطبيق مفهوم المشاركة المجتمعية “Participatory Management” في إدارة المحميات الطبيعية، حيث أصبح السكان المحليون، والمزارعون، وملاك الأراضي جزءاً من عملية التخطيط والتنفيذ وصناعة القرار، عبر نهج واضح في برنامج “Natura 2000” الذي نجح في الجمع بين حماية التنوع الأحيائي والمصالح الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات المحلية.
وإذا كانت تلك التجارب قد أثبتت أن الشراكة المجتمعية عنصر رئيس في نجاح الحماية البيئية، فإن ذلك يفتح آفاقاً واسعة للمركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، لتحقيق ذلك التوجه من خلال المجتمعات المحلية المحيطة بالمحميات، والموائل الطبيعية، ليس بصفتها المستفيد من البيئة بل لأنها الأقرب إليها، والأقدر على رصد المتغيرات التي تطرأ عليها، ما يجعلها شريكاً استراتيجياً في جهود الحماية. ومن هذا المنطلق يعمل المركز على توسيع برامج التطوع البيئي، وتطوير مبادرات الرصد المجتمعي، وتعزيز التعاون مع الجامعات، والجمعيات البيئية والمهتمين بالطبيعة، إضافة إلى الاستفادة من المعرفة المحلية المتوارثة Indigenous knowledgeحول الأنواع الفطرية والموائل التي تضيف بعداً عملياً يدعم الجهود العلمية والتنظيمية.
إن نجاح حماية الحياة الفطرية لا يقاس بعدد الأنظمة واللوائح فحسب، بل بمدى تحولها إلى ثقافة مجتمعية راسخة. فحين يشعر المواطن والمقيم بأنهما شريكان في حماية الإرث الطبيعي الوطني تصبح المحافظة على البيئة سلوكاً يومياً وقيمة حضارية تتوارثها الأجيال. ولعل الدرس الأبرز من تجارب “Citizen Science” و”Participatory Management” و”Natura 2000″ هو أن الاستثمار الحقيقي في البيئة يبدأ بالاستثمار في الإنسان، من خلال تعديل السلوك ووقف نزف الطبيعية بالتعدي والقتل وقطع الأشجار واهلاك الحياة الفطرية. وهذا ما أعلنه المركز في برنامج الفرص والاستثمارات المتاحة عبر تفعيل دور القطاع الخاص، بعد أن أصبحت اللوائح والأنظمة وبرامج الحوكمة تعمل كممكنات مدروسة لتعاون ملموس. يسعى المركز من خلال ذلك إلى تحويل مفهوم الإدارة إلى ممارسة مجتمعية واسعة، ليؤسس نموذجاً وطنياً مستداماً يربط بين حماية البيئة وجودة الحياة وتنمية الأجيال الحاضرة والمستقبلية بمشاركة مجتمعية فاعلة، ترتكز على المنظومة المجتمعية لتحقيق الإدارة البيئية المستدامة.
للتواصل : [email protected]



