
سلسلة ” غابة الذئاب “
✍️ سمير الشحيمي – كاتب سعودي :
الساعة العاشرة صباحاً، تحديداً أمام مبنى ضخم، خيوط الشمس الحادة تتسلل من النوافذ العلوية الضيقة لتتقاطع مع الإضاءة الداخلية الخافتة.
قاعة واسعة ذات جدران داكنة، تحمل في صدرها شعار مافيا العراب (ذئب محاط بأشواك فضية). الحرس ينتشرون في الزوايا وبجانب المداخل، يرتدون نظارات سوداء وملابس مدنية كاحلة، وأسلحتهم الخفيفة مخفية بعناية تحت المعاطف والسترات لعدم لفت انتباه المارة في هذا الوقت من الصباح.
يجلس المسامر بمفرده وراء مكتب، وضوء الصباح يسقط على جانبي وجهه المتعب. ملامحه غارقة في التفكير، يشبك أصابعه وعيناه تثبتان على نقطة الفراغ أمامه، يحمل عبء القادم.
يفتح الباب بهدوء، تدخل السيدة أنفال وهي ترتدي ثوب الحداد الأسود ونظارة سوداء رفعتها فور دخولها.
السيدة أنفال: يا مسامر… بني، الساعة دقت العاشرة، والكل بانتظارك.
المسامر (يرفع رأسه ببطء، بابتسامة باهتة): عندما فقدت أبي بالتبني مارك كوين شعرت بالوحدة فلقد كان لي السند، وبالرغم من أني لم أكن قريباً مدة طويلة من الجد العقيد، إلا أنني أشعر بنفس الوحدة تماماً.
السيدة أنفال (تقترب وتضع يدها على طرف المكتب): كن قوياً، الآن العيون كلها تتجه إليك، كن مستعداً.
يقطع حديثهما دخول ديبوا فجأة، وبدت على وجهه علامات الجدية الصارمة.
ديبوا: سام ، السيدة أنفال… كل شيء جاهز في القاعة، أفراد عائلة الفقيد استقروا في أماكنهم بالكامل.
ينهض المسامر من مكانه ويعدل ربطة عنقه ويمسك بيد السيدة أنفال، وتقدمهما ديبوا للخروج من الغرفة.
يتوسط القاعة تابوت الجد العقيد، المغطى براية المنظمة، وتنعكس عليه أشعة الشمس المنسابة من الأعلى. يقف بجانب التابوت الرجل الوفي جوزيف، جسده الضخم المتصلب كتمثال من رخام، يرتدي نظارته الشمسية السوداء الداكنة التي تخفي نظراته تماماً بحجة ضوء الصباح، يراقب الجميع بجمود وصمت مرعب يثير القشعريرة.
في الصفوف الأمامية، يجلس كبار عائلة العراب بأماكنهم: السيد وارث، السيد أسد، السيد عارم ، السيد مؤيد، السيد قتادة. الحشود من عائلة العراب تملأ الخلفية، ومن بين هذه الحشود، يقف (صقر) جاسوس الأرملة السوداء متنكراً بملابس موظف بقسم الضيافة الذين يقدمون للمعزين الماء والقهوة السادة، يراقب أدق التفاصيل، ويسجل في ذاكرته حركات كبار المنظمة.
المسامر يتحدث مع السيد جمال ابن السيد أسد في حديث أخوي.
بالخارج، تقف سيارة سوداء ينزل منها البارون بهيبته المعتادة مرتدياً نظارته الشمسية الفاخرة، وتتبعه مساعدته ليليان التي تحمل حقيبة صغيرة ونظرات حذرة ومستعدة لأي غدر. يتقدم حرس المنظمة فوراً، ويرفعون أيديهم لمنعهما من الدخول، وتتحرك الأيدي صوب الأسلحة المخفية تحت السترات بحذر.
كبير الحراس (بحدة): مكانك! أنت لست من آل السامر، هذا عزاء خاص لأسرة آل السامر.
ليليان (تتقدم خطوة للأمام بنبرة تهديد منخفضة وتضع يدها داخل حقيبتها الصغيرة لتخرج مسدس صغير الحجم): تأدب وأنت تتحدث مع البارون، وإلا جعلت هذا الصباح آخر صباح تراه!
يسمع ديبوا صوت الجلبة بالخارج ويخرج إليهم قائلاً بحزم: ما هذه الجلبة؟ من أنتم؟
ليليان (تتقدم خطوتين بثبات): هل هكذا تستقبلون ضيوفكم؟
ينظر إليها ديبوا بصمت ثم قال: إن هذا العزاء لا يسمح بحضوره إلا للعائلة من آل السامر، هل أنتم من العائلة؟ (ينظر إلى البارون ثم أردف قائلاً): أول مرة أراكم!
ليليان: البارون أحد الزعماء وصديق قديم ومقرب للجد العقيد.
ديبوا: كما أخبرتكِ، لا يسمح بدخول أحد غير العائلة.
ليليان (تبعد يدها من داخل الحقيبة وتزيح نظارتها من عينيها وبنظرات حادة وبصوت حازم): أخبر سيدك المسامر أن البارون هنا، وانصحك ألا نطيل الوقوف كثيراً تحت أشعة الشمس.
ينظر إليها ديبوا بهدوء وفجأة همّ بالتحدث، ولكن يقاطعهم صوت المسامر القادم من عمق الممر.
المسامر (بصوت جهوري يفرض السيطرة): تراجعوا… اتركوهم يدخلون.
ينظر الحراس لبعضهم ثم يتراجعون بانتظام، وينظر ديبوا إلى المسامر. يتقدم البارون ويلتقي بنظرات المسامر الحادة.
المسامر: أخيراً هذا أنت، هنا البارون بشحمه ولحمه! لقد تحدثنا من بعد آخر مواجهة لنا في المدينة الغائمة (راجع رواية غابة الذئاب الجزء الأول).
البارون (يبتسم بغموض): نعم، هذا أنا.
المسامر: أنت من أمرت بقتل أبي بالتبني السيد كوين، والآن أتيت لجنازة أبي الحقيقي! ما الذي يجب أن أفعله؟ أأسمح لك بحضور جنازة العقيد أم أطلق على رأسك رصاصة انتقاماً لأبي كوين؟
البارون: لا أظن أنه عندما يطرق باب آل السامر ضيفٌ يُقتل.
يصمت المسامر وهو ينظر إلى البارون ثم قال: الدخول هنا ممنوع على الغرباء يا بارون… ولكن احتراماً للتاريخ الذي كان يجمعك بالجد العقيد، سأسمح لك بالتواجد في الجنازة والوداع الأخير.
البارون (يزيح نظارته الشمسية قليلاً، ويميل رأسه بكبرياء): الجد العقيد كان خصماً شريفاً وصديقاً قديماً يعرف معنى العهود، لم أكن لأفوت وداعه حتى لو كان في جوف الجحيم، شكراً لك.
يدخل البارون وليليان إلى القاعة بخطوات بطيئة وواثقة. تتوجه أنظار كبار العائلة (وارث، أسد، عارم، مؤيد، قتادة) نحوهما وبدأوا يتهامسون بحدة وبمزيج من المفاجأة والرفض، لكن وجود المسامر خلفهما يحسم أي اعتراض.
يجلس البارون وليليان مع المعزين، يلتفت جوزيف برأسه ببطء شديد نحو البارون، دون أن تظهر أي تعابير خلف نظارته الشمسية، ليبقى الجمود سيد الموقف تحت الضوء الساطع.
وفي زاوية مشمسة بين الحشود، يذهب صقر (رجل الأرملة السوداء) إلى أحد الأعمدة ليتوارى خلفها ويهمس لنفسه: “المسامر، وزعماء المافيا، والبارون تحت سقف واحد وفي وضح النهار… لقد فاتك الكثير أيتها الأرملة السوداء”.
تبدأ مراسم الجنازة، والكل يتبادل النظرات، والأجواء مشحونة…
للتواصل : [email protected]



