كتاب الرأي

بين الانشغال والحب… لا تهملوا أبناءكم

      ✍️وهيب شاهين – كاتب سعودي :

في زمن أصبحت فيه الحياة تسير بوتيرة متسارعة، وانشغل الجميع بملاحقة متطلبات المعيشة وتحقيق الطموحات، أصبح الوقت الذي تقضيه الأسرة معًا أقل من أي وقت مضى. وبين الاجتماعات، وضغوط العمل، والهواتف الذكية، ووسائل التواصل الاجتماعي، يقف الأبناء بصمت، ينتظرون لحظة اهتمام، أو كلمة حنان، أو جلسة عائلية تعيد إليهم الشعور بالأمان.

قد يعتقد بعض الآباء أن توفير المسكن المناسب، والتعليم الجيد، والملابس، والهدايا، هو التعبير الحقيقي عن الحب. لكنها، على أهميتها، لا تعوض غياب الأب أو الأم عن حياة أبنائهم. فالطفل لا يحفظ قيمة الهدية بقدر ما يحفظ من قدمها له وهو يبتسم، ولا يتذكر ثمن اللعبة بقدر ما يتذكر من شاركه اللعب بها.

إن أعظم احتياج لدى الأبناء ليس المال، بل الاحتواء. يحتاجون إلى من يستمع إليهم عندما يتحدثون، ويشجعهم عندما ينجحون، ويحتضنهم عندما يفشلون، ويشعرهم بأنهم محل اهتمام مهما كانت الظروف.

ومع الأسف، فإن الفراغ العاطفي الذي يعيشه بعض الأطفال لا يبقى فراغًا طويلًا، بل يبحث عن من يملأه. فقد يجدونه في رفقة سيئة، أو في عالم افتراضي، أو في أشخاص يمنحونهم اهتمامًا مؤقتًا، بينما كان بإمكان الأسرة أن تكون الحصن الأول والأخير لهم.

إن دقائق قليلة من الحوار الصادق كل يوم، ووجبة يجتمع حولها أفراد الأسرة، أو نزهة بسيطة في نهاية الأسبوع، قد تكون كافية لترسيخ روابط قوية تدوم سنوات طويلة. فالأبناء لا يحتاجون إلى حياة مثالية، بل إلى أسرة يشعرون فيها بالمحبة والاحتواء والاهتمام.

وتؤكد العديد من الدراسات التربوية أن الأطفال الذين يحظون بتواصل أسري جيد يكونون أكثر استقرارًا نفسيًا، وأكثر ثقة بأنفسهم، وأقل عرضة للمشكلات السلوكية والانحرافات، لأنهم نشؤوا في بيئة منحتهم الشعور بالانتماء والأمان.

ولا يعني ذلك أن يترك الإنسان عمله أو طموحه، بل المطلوب هو تحقيق التوازن. فالنجاح الحقيقي ليس أن نبني مستقبلًا ماديًا لأبنائنا بينما نخسر علاقتنا بهم، وإنما أن نبني مستقبلهم ونحن حاضرون في تفاصيل حياتهم، نشاركهم أفراحهم، ونقف بجانبهم في لحظات ضعفهم.

تذكروا دائمًا أن الطفولة لا تتكرر، وأن السنوات تمضي بسرعة أكبر مما نتخيل. سيكبر الأبناء، وستبقى في ذاكرتهم المواقف الصغيرة التي صنعها معهم آباؤهم وأمهاتهم، وستظل تلك اللحظات أثمن من أي هدية أو مكسب مادي.

فاجعلوا بيوتكم عامرة بالحوار، وقلوبكم مفتوحة لأبنائكم، وأوقاتكم تتسع لهم مهما كانت مشاغلكم. فالحب لا يقاس بما نملكه، بل بما نقدمه من اهتمام ووقت واحتواء.

ففي النهاية… قد ينسى الأبناء ما اشتريتم لهم، لكنهم لن ينسوا أبدًا كيف جعلتموهم يشعرون وهم بين أيديكم .

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى