حين لا يكون الغضب هو السبب

✍️حمده القرني- كاتبة سعودية :
أن تكون مثقلاً بتراكماتٍ لا يراها أحد تحمل في داخلك ما يفوق قدرتك على الاحتمال حتى تصبح روحك كمن يسير فوق أرضٍ متشققة؛ يكفيها سببٌ صغير لتنهار.
فتستفزك كلمة عابرة لم تكن لتؤذيك يوماً، ويزعجك تصرف بسيط لا يستحق كل هذا الغضب. تنفجر فجأة، تصرخ، ترفع صوتك، وتلقي من الكلمات ما يجرح من أمامك دون أن تقصد أحياناً، وكأنك تفرغ سنواتٍ كاملة من التعب في لحظة واحدة.
لا لأن الموقف يستحق بل لأن ما بداخلك كان ينتظر أي منفذ للخروج.
ثم ينتهي كل شيء.
يهدأ المكان، وتسكت الأصوات، ويبقى أنت وحدك في مواجهة نفسك.
تسترجع كلماتك واحدةً تلو الأخرى، تتمنى لو أنك التزمت الصمت، لو أنك تمالكت غضبك، لو أنك لم تؤذِ قلباً لم يكن سبباً فيما تعانيه. ويبدأ الندم في التهامك ببطء، ذلك الندم الثقيل الذي لا يغير ما قيل، ولا يمحو الأثر الذي تركته الكلمات.
أصعب ما في الأمر أن الناس يرون لحظة الانفجار فقط، ولا يرون المعارك الطويلة التي سبقتها. لا يرون الليالي التي قضيتها وأنت تكتم حزنك، ولا الخيبات التي ابتلعتها بصمت، ولا المرات التي تظاهرت فيها بأنك بخير بينما كنت تتداعى من الداخل.
لكن هذا لا يجعل الأذى مبرراً، ولا الجرح أقل وجعاً
فما يؤلم حقاً أن تدرك متأخراً أن الأشخاص الذين أحببتهم قد تلقوا سهام غضبك، بينما لم يكونوا هم من تسببوا في كل ذلك الألم.
لذلك أحياناً لا نحتاج إلى مزيد من الصبر فقط، بل نحتاج إلى أن نعترف بتعبنا قبل أن يتحول إلى غضب، وأن نداوي ما بداخلنا قبل أن نلقيه على من حولنا.
فبعض الانفجارات لا تبدأ من الموقف الذي أشعلها، بل من حريقٍ قديم ظل مشتعلاً في القلب زمناً طويلاً.
للتواصل : [email protected]



