﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾

✍️د. سعيد بن عبدالله آل جفشر – كاتب سعودي :
﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾؛ آيةٌ تختصر سنن التاريخ وتقلبات الأحوال بين الأفراد والأمم. فمن تأمل صفحات التاريخ وجد أن الرفعة والخفض، والغلبة والانكسار، والغنى والفقر، والملك والزوال، كلها تجري وفق سنن الله التي لا تتبدل.
وقد تجلت هذه السنة حتى في أبسط الوقائع. فقد كانت ناقة رسول الله ﷺ «العضباء» معروفة بالسبق، حتى قال الصحابة: لا تُسبق. فجاء أعرابي على قعود فسبقها، فشق ذلك على المسلمين، فعلم النبي ﷺ ما في نفوسهم فقال: «حقٌّ على الله ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه». فكانت الحادثة درساً بليغاً في أن التفوق لا يدوم، وأن الأيام تتداول بين الناس.
وفي التاريخ الإسلامي أمثلة كثيرة تؤكد هذه الحقيقة. ومن أشهرها قصة عبد الرحمن بن معاوية بن هشام الأموي، المعروف بعبد الرحمن الداخل. فقد شهد سقوط الدولة الأموية في المشرق، وقُتل معظم أهله وبني عمومته على يد العباسيين، وأصبح طريداً شريداً يفر بنفسه عبر الصحارى والأنهار حتى وصل إلى المغرب. وبعد سنوات من المطاردة والغربة تمكن من عبور البحر إلى الأندلس، ثم نجح في تأسيس دولة قوية حكمت الأندلس قرابة ثلاثة قرون. فتحول من مطارد لا يملك مأوى إلى أمير ومؤسس دولة، في صورة جلية من صور تداول الأيام بين الناس.
كما تبرز هذه السنة في سيرة محمد بن أبي عامر، المعروف بالمنصور بن أبي عامر، الذي قدم إلى قرطبة شاباً بسيطاً يعمل في الكتابة، ثم تدرج في المناصب حتى أصبح الحاكم الفعلي للأندلس وصاحب النفوذ المطلق فيها. وبعد أن كان اسمه مجهولاً بين الناس، صار يهابه الملوك وتُقاد الجيوش بأمره، حتى غدا أحد أعظم رجال الأندلس وأشهرهم.
ومن أعجب ما يروى في هذا الباب ما كان من خبر الصَّمِيل بن حاتم بن شَمِر بن ذي الجوشن الضبابي الكلابي، أحد كبار قادة العرب في الأندلس. وكان الصميل من أشراف أهل الشام الذين ضُرب عليهم البعث مع جيش كلثوم بن عياض القشيري إلى المغرب، ثم دخل الأندلس في جملة أصحاب بلج بن بشر. وقد عُرف بالشجاعة والنجدة والكرم وقوة الرأي، حتى صار رأس المضرية في الأندلس عندما أظهر أبو الخطار الحسام بن ضرار الكلبي العصبية لليمانية، فكان الصميل قائد الاتجاه المقابل وصاحب الكلمة النافذة في كثير من أحداث الأندلس السياسية والعسكرية.
ومع ما كان عليه من الذكاء السياسي وبعد النظر، فقد كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب. ويُروى أنه مرّ يوماً بمعلم صبيان يتلو قول الله تعالى: ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾، فوقف يستمع ثم قال: «نتداولها بين العرب». فقال له المعلم: بل الآية تقول: «بين الناس». فقال الصميل: «وهكذا نزلت؟» قال: نعم. فقال: «والله إني لأرى هذا الأمر سيشركنا فيه العبيد والسفلة والأراذل».
ولم تكن كلمته هذه مجرد خاطر عابر، بل كانت تعبيراً عن إدراك عميق لسنن التاريخ؛ وقد كان الصميل نفسه أحد صناع التحولات الكبرى في الأندلس، إذ غلب على أمر يوسف بن عبد الرحمن الفهري، وشارك معه في مواجهة عبد الرحمن الداخل، وتولى سرقسطة ثم طليطلة، وكان من أبرز رجال المرحلة.
ومن شعره المشهور يوم أغار الطائيون على داره بشقندة عند انهيار دولة الفهري وقيام دولة عبد الرحمن الداخل:
ألا إن مالي عند طيٍّ وديعةٌ
ولا بد يوماً أن تُردَّ الودائعُ
سلوا يمنًا عن فعل رمحي ومنصلي
فإن سكتوا أثنت عليَّ الوقائعُ
غير أن الأيام التي رفعت الصميل إلى ذروة النفوذ والسلطان لم تلبث أن دارت عليه، فانتهى أمره سجيناً عند عبد الرحمن الداخل، وتوفي في سجنه سنة 142هـ. وهكذا انتقل الرجل من موقع القيادة والتأثير إلى الأسر والموت، ليصبح هو نفسه مثالاً حياً على المعنى الذي تأمله في الآية الكريمة.
ولم يقتصر إدراك هذه الحقيقة على العلماء والمؤرخين، بل تسرب إلى الموروث الشعبي العربي الذي كثيراً ما عبّر عن سنن الحياة وتقلباتها بعبارات موجزة وبليغة. ومن الأبيات المشهورة المنسوبة إلى أبي زيد الهلالي:
ولا يدٍ إلا ويدُ الله فوقها
ولا طايراتٍ إلا وهنَّ وقوع
ولا ضحكٍ إلا والبكا مردفٌ له
ولا شبعةٍ إلا مقتفيها جوع
وتجسد هذه الأبيات معنى تداول الأحوال بين الناس؛ فليس في الدنيا دوام لنعمة أو قوة أو رفعة، كما لا يدوم حزن أو ضعف أو فقر. فكما تتعاقب الليالي والأيام تتبدل أحوال البشر، وفق مشيئة الله وسننه الجارية في خلقه.
وهكذا تكشف الأيام للناس حقيقة الدنيا؛ فلا سرور يدوم، ولا شدة تبقى، ولا رفعة تستقر، وإنما تتعاقب الأحوال وتتبدل المقادير، ليشهد الإنسان في كل مرحلة من عمره جانباً من معنى قوله تعالى: ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾.
للتواصل : [email protected]



