كتاب الرأي

قصة حبٍ ناجحة

       ✍️ صفية ملا-كاتبة سعودية :

ثمة أنواع من الألم لا نتمنى الشفاء منها؛ ألمٌ لا يولد من خسارة أو فراقٍ موجع، ولا من جرحٍ غائر تركته الأيام، بل يفيضُ من فرط الحب، حين ننظر إلى سنوات عمرنا وقد تحولت إلى بشرٍ يمشون في الحياة بثقة، يحملون أحلامهم بأيديهم، ويشقّون دروبهم الخاصة بعيداً عنا.
في يومٍ ما، كانوا صغاراً، وكنا نحن الملاذ الأول عند الخوف، والوجهة الأولى عند الحاجة، والصوت الذي يبحثون عنه حين تضيق بهم الدنيا؛ كانوا يظنون أننا قادرون على إصلاح كل شيء، ينادوننا مراراً في اليوم، يسألون عن أدق التفاصيل، ويبحثون عنا في كل زاوية من زوايا البيت، واثقين بأننا نملك الإجابة عن كل تساؤلاتهم.
في سنواتهم الأولى، نكون عالمهم بأكمله؛ فلا يعبرون الطريق إلا وأيديهم متشبثة بأيدينا، نغسل ثيابهم، ونربط أحذيتهم، ونفرّش أسنانهم، ونطمئن على نومهم، ونؤثر راحتهم على راحتنا. كان جُلُّ حياتنا يتمحور حول ضمان سلامتهم، وتنشئتهم، ومنحهم القوة لمواجهة الحياة.
لم نكن نخشى شيئاً كما نخشى أن يتعثروا، أو ينكسروا، أو يخذلهم الطريق؛ فبذلنا في سبيلهم وقتنا، وجهدنا، وأعمارنا، وقلوبنا. ورغم ثقل التعب، كان يبدو خفيفاً أمام ضحكة عابرة، أو عناق عفوي، أو كلمة بريئة تخرج منهم وهم لا يدركون بعد حجم الحب الذي يغمرهم.
ثم تمضي السنوات أسرع مما نتخيل؛ فننشغل بالحياة ونركض خلف الأيام، ثم نستيقظ فجأة لنكتشف أن الطفل الذي كان يختبئ خلفنا بات قادراً على مواجهة الحياة وحده. ذاك الصغير الذي كان يمسك أيدينا عند عبور الطريق، أصبح اليوم قادراً على عبور طرقٍ أكبر بكثير دون أن يتعثر. ومع الوقت، يغدو البيت الذي كان يضج بالضحكات والأصوات أكثر هدوءاً مما اعتدناه، وتلك الأصوات التي كانت تملأ أرجاءه من الصباح إلى المساء، أصبحت تزورنا بين حين وآخر، محمّلة بأخبار العمل، ومسؤوليات الحياة، وأحلام الكبار.
ولعلَّ أكثر مفارقات رحلة الأبوة والأمومة رقةً وإيلاماً هي أن الإنسان يقضي سنوات عمره ساعياً إلى هدفٍ واحد: أن يرى أبناءه قادرين على الاعتماد على أنفسهم، ليكتشف حين يتحقق هذا الحلم أن ثمنه هو شيءٌ من الحنين.
لقد بذلنا كل ما نستطيع كي لا يفشلوا؛ علَّمناهم كيف ينهضون بعد السقوط، وكيف يواجهون الحياة بثقة، وكيف يتخذون قراراتهم بأنفسهم. ودعونا الله طويلاً أن يحفظهم، وأن يفتح لهم الأبواب، وأن يجعلهم أقوياء ومستقلين ومطمئنين، فاستجاب الله الكريم دعاءنا.
وربما لا يدرك الوالدان في بداية الرحلة أن الدعاء الذي يرددانه كل يوم سيأخذ أبناءهما بعيداً عنهما يوماً ما؛ فكل بابٍ يُفتح لهم، وكل خطوة مستقلة يخطونها، هي في الحقيقة استجابةٌ من الله لذلك الدعاء القديم الذي خرج من قلبٍ مُحبٍّ لا يريد لهم إلا الخير.
وهنا تكمن الحكاية كلها…
فحين تقف في منزل طفولتهم، وتتأمل الغرف التي كانت تضج بالحياة، وتستعيد الأصوات التي ملأت المكان يوماً، تدرك أن المهمة التي كرّست لها سنوات عمرك قد اكتملت على أجمل وجه.
لقد نجحوا بحمد الله؛ نجحوا في أن يصبحوا الأشخاص الذين تمنينا لهم أن يكونوا، بنوا أحلامهم، وشقّوا طرقهم، وأصبحوا قادرين على إدارة حياتهم بأنفسهم.
تشعر بالفخر، نعم، لكنك تشعر بشيء آخر أيضاً؛ شيء يشبه الشوق الهادئ، فالحب لم يعد كما كان حين كنت أنت محور عالمهم الصغير.
أصبحت تكتفي بالفرح من بعيد، وتنتظر مكالمة، وربما تتحدث أحياناً مع صندوق الرسائل الصوتية أكثر مما كنت تتحدث معهم؛ ليس لأن محبتهم قلّت، ولا لأن مكانتك تراجعت، بل لأنهم باتوا يعيشون الحياة التي كنت تدعو الله أن يهبها لهم.
أحياناً، لا يكون أكثر ما يؤلم الإنسان غياب أبنائه، بل حضورهم الطاغي في الذاكرة.
نقف في إحدى الغرف فنشعر أن الزمن ما زال يسكنها؛ هنا كانت ضحكة عالية، وهنا لعبة منسية، وهناك علامات على الجدار كنّا نقيس بها طولهم عاماً بعد عام.
فالبيت يحتفظ بهم حتى بعد أن يغادروه؛ تحتفظ بهم الصور المعلقة على الجدران، والمقاعد الفارغة حول المائدة، والأدراج التي ما زالت تخبئ رسومات قديمة، ودفاتر مدرسية، وأشياء صغيرة قد لا تساوي شيئاً في نظر الآخرين، لكنها بالنسبة للوالدين جزءٌ من العمر نفسه.
فنبتسم، وربما تترقرق أعيننا بالدمع قليلاً؛ ليس حزناً، بل لأن القلب يعجز عن تفسير هذا المزيج العجيب من الفخر والحنين.
ولعل أجمل ما ندركه مع توالي السنوات أن الحب لا ينقص حين يكبر الأبناء، بل يتغير شكله فحسب. ففي الطفولة كان حباً يحمي ويُرشد ويلازم، أما اليوم فهو حب يراقب من بعيد، ويدعو بصمت، ويفرح للنجاح كما لو كان نجاحه الشخصي؛ حبٌ لا يحتاج إلى حضور يومي، لأنه استوطن القلب بأكمله.
ومن رحمة الله بالآباء والأمهات أن هذا الحب الكبير لا يبقى بلا وجهة؛ فبعد أن يكبر الأبناء وتزدحم حياتهم بأسرهم ومسؤولياتهم، تأتي أيام يحملون فيها إلى والديهم أرواحاً صغيرة، تشبههم في الملامح أحياناً، وفي الضحكات أحياناً أخرى.
وحينها يجد الوالدان نفسيهما يعيشان شيئاً من تلك المشاعر القديمة من جديد.
يلاحقان خطواتٍ صغيرة تتعثر ثم تنهض، ويستمعان إلى حكاياتٍ بريئة لا تنتهي، ويجيبان عن الأسئلة ذاتها التي سمعاها قبل سنواتٍ طويلة، ويضحكان للأسباب نفسها التي كانت تملأ البيت فرحاً من قبل.
ليس لأن الزمن عاد إلى الوراء، فالسنوات لا تعود، ولكن لأن الحب الذي زرعاه يوماً في أبنائهما عاد إليهما مزهراً في جيلٍ جديد؛ وكأن الحياة، بكل لطفها، تمنح القلب فرصةً أخرى ليعيش الدفء ذاته بصورةٍ مختلفة.
عندها يدرك الإنسان أن الأيام الجميلة لا ترحل حقاً، بل تغيّر شكلها فحسب؛ وأن الحب الصادق لا ينتهي بانتهاء مرحلة من العمر، بل يمتد عبر الأجيال كضوءٍ دافئ ينتقل من نافذة إلى أخرى دون أن يفقد وهجه.
فما أجمل أن يكبر الأبناء، وما أجمل أن نراهم يسيرون في دروب الحياة كما تمنينا لهم دائماً. وما أصعب وأجمل في الوقت ذاته أن ندرك أن نجاحهم هو البرهان الأكبر على أنهم لم يعودوا بحاجة إلينا كما كانوا يوماً.
إنه ذلك الألم الجميل الذي لا يولد من الفقد، بل من فيض الحب؛ ذلك الألم الذي يهمس لنا بصمتٍ عذب بأننا أدّينا رسالتنا كما ينبغي، وأن الأيدي الصغيرة التي كانت تتشبث بأيدينا يوماً، قد أصبحت اليوم قادرة على حمل أمانة حياتها بنفسها.
فالأبوة والأمومة ليستا مجرد سنوات من الرعاية والتعب والعطاء، بل هما رحلة حبٍ طويلة تبدأ بيدٍ صغيرة تمسك بأيدينا، وتنتهي بقلبٍ ممتلئ بالفخر والامتنان. إن أعظم نجاحٍ للوالدين ليس في بقاء الأبناء متعلقين بهما، بل في انطلاقهم نحو الحياة مطمئنين، حاملين في قلوبهم أثر ذلك الحب الذي رافقهم منذ خطواتهم الأولى.
وحين ننظر إلى أبنائنا وقد أصبحوا قادرين على مواجهة الحياة بثبات، ندرك أن كل لحظة حب، وكل دعاء، وكل خوف، وكل تضحية، لم تذهب سدى؛ بل أصبحت قصةً تدعو إلى الفخر، والثمرة الأجمل لسنواتٍ طويلة من العطاء.
إنها ببساطة… قصة حبٍ ناجحة.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى