كتاب الرأي

حوار مع الشاعرة: كاملة حسن المليحي المعروفة ب«غيوم .

أجراه- محمد سلطان الأمير :

مدخل:
حين نتأمل مسيرة الأدب السعودي المعاصر على مستوى الشعر الناضج المتميز تحديداً نجد المرأة الشاعرةحاضرة حالياً في صدارة المشهد الشعري متوازية مع إسهامات الشعراء الذكور ومتحدة معهم
في شتى القضايا الإنسانية التي يتناولونها، فهي إذن رافد أصيل من روافد الأدب المهمة.
ولذلك استطاعت المساهمة الفعالة في تشكيل ملامحه وإثراء ميادينه المختلفة بوعي وتميز واقتدار.
ومع اتساع الحركة الثقافية في بلادنا وازدهارها في ظل الانفتاح الحيوي الذي نشهده جميعاً في مختلف مناحي الحياة، ازداد حضور المرأة ودورها البارز في المشهد الشعري رسوخًا وتأثيرًا فبرزت أصوات نسائية مبدعة استطاعت أن تحجز لنفسها مكانةً مرموقة بين أعلام الشعر المعاصر.
ومن هنا تأتي أهمية الوقوف عند
تجربة المرأة الشاعرة في الأدب السعودي والتنويه بها، لما تمثله من إضافة فنية وفكرية أغنت الشعر السعودي وأكسبته أبعادًا جديدة من الجمال والعمق والدينامية المستمرة.
ويمكننا القول إن الشاعرة السعوديةاستطاعت النهوض بالتعبير عن همومها الذاتية وهموم الإنسان معاً ،و تغنت بأحلام الوطن العظيم وطموحاته في مناسبات عدة ،وسطرت تجاربها الشعرية
في قصائد فاتنة امتزج فيها صدق الإحساس بجمال التعبير وروعته
فكان شعرها مرآةً للوجدان النابض بالحياة ونافذة للأمل والتطلعات الحضارية المنشودة.
ولم يغب عن الشاعرة السعودية إجمالاً ولافي إنتاجها فكرة المواءمة بين المحافظة على أصالة اللغة العربية والانفتاح على أساليب التعبير الحديثة في ضوء مواهبهن المصقولة واطلاعهن الواسع على تراثنا الشعري الخالد من جهة والثقافات المعاصرة من جهة أخرى.
ومن بين الأصوات النسائية التي تألقت في سماء الشعر السعودي برزت شاعرات قدمن تجارب متميزة اتسمت بالثراء الفني وعمق الرؤية، فتنوعت موضوعاتهن بين التأمل الوجداني، والهم الوطني، والقضايا الإنسانية والاجتماعية.
ومن هؤلاء الشاعرة الجازانية:كاملة حسن المليحي،المعروفة ب«غيوم حيث التقينا بها وأجرينا معها الحوار التالي.
_________________
في البداية هذا عرض لجانب من سيرتها في سطور موجزة:
-هي الشاعرة الجازانية كاملة حسن المليحي المعروفة في الأوساط الأدبية بلقب:( غيوم ).
-حازت على الشهادة الجامعية قسم تاريخ وحضارة بجامعة جازان.
-عملت معلمة متعاقدة برياض الأطفال عدة سنوات،ثم انتقلت
لدار تحفيظ القرآن معلمة أيضا، كما إنها
عملت بمجال الإعلام لعدة سنوات.
كما كانت في السابق عضوةبلجنة التنمية الاجتماعية وعضوة بنادي التوستماسترز،وهي حالياً
عضوة بنادي الريادة الأدبية
عضوة بنادي الثقافة.
كما شاركت في العديد من الأمسيات الشعريه والفعاليات الوطنية بمدينة جازان وصبيا ومحايل عسير ،ومازالت تواصل مسيرتها الأدبية باهتمام ودأب ونشاط.
________________
-الحوار:
عن الشعر وقضاياه المعاصرة ورؤية الشاعرة للمشهد الأدبي المعاصر دار هذا الحوار:
س-لمن تكتب الشاعرة غيوم؟
وهل لديها طقوس معينة لاستلهام القصيدة أواستقبالها؟
ج-أكتب للإنسان أولًا ولروحي وذلك حين تضيق بها الحياة فتبحث عن ملاذ في الشعر.
أكتب لكل شعور صادق تجاه الحب والوطن العظيم وللفرح وللحنين ولرفيف الأمل في القلب رغم الانكسارات التي مررت بها،
فأنا لا أبحث في شعري عامة عن قارئ بعينه،ولا أستجيب إلا لمايمليه عليّ وجداني وبوصلتي الخاصة.
أما الإلهام فلا يعترف بالمواعيد
فقد يباغتني مع أول ضوء للفجر أو في سكون الليل أو أثناء عبور خاطرة عابرة فالقصيدة هي التي تختار لحظة ميلادها وهطولها لا أنا.
——————-
س-متى بدأت علاقتك بالشعر؟
وهل تذكرين محاولاتك الأولى؟
ج -لا أستطيع أن أربط الشعر بتاريخ معين فهو رفيق الروح منذ البدايات، أما الكتابة فقد بدأت ملامحها تتشكل في عمر مبكر،
وأذكر محاولاتي الأولى كانت كخطوات خجولة لكنها صادقة وعفوية ،ومع كل قصيدة كنت أتعلم أن الشعر رحلة لا يصل فيها الشاعر إلى النهاية، بل يزداد عشقًا للطريق واكتشافاً لمنعطفاته الحادة وأسراره
اللانهائية،ومع الأيام والمتابعات الجادة علمتني القراءة لتجارب الشعراء القدماء وصقلتني التجربة.
________________
س-هل تؤمنين بالإلهام المفاجئ أم أن الشعر في جوهره عمل وصنعة ومجاهدة؟
ج-أؤمن بأن الإلهام هو الشرارة الأولى لكنه ليس النار كلها ،فقد يولد البيت الأول في لحظة خاطفة كهدية ربانية ثمينة، أما عملية اكتمال القصيدة فتلك ثمرة صبر طويل ومراجعة واعية وذائقة تنمو مع الزمن، وفي اعتقادي أن الشعر الحقيقي يولد من لقاء جميل بين وهج الإلهام وصدق التجربة وحرارة الانفعال بها والتماهي معها.
________________
س-هل تأثرتِ بشعراء وشاعرات على مر التاريخ؟
ج-لا يولد شاعر من فراغ فالقراءة -كماذكرت لك -هي الرافد الأول لكل تجربة إبداعية ، قرأت لكثير من الشعراء والشاعرات وتعلمت من جمال لغتهم وعمق رؤاهم، لكنني كنت حريصة دائمًا على الاستقلالية
في البحث عن صوتي الخاص لأن أجمل ما يملكه الشاعر هو بصمته الخاصة التي لا تشبه أحدًا.
________________
س-هل ترين أن المعاناة شرط من شروط الإبداع الشعري؟
ج-لا أؤمن بأن الألم شرط أساسي للإبداع، وإنما أؤمن بأن الصدق هو شرطه الأول.
قد تكتب المعاناة قصيدة عظيمة لكن الفرح أيضًا يكتب قصيدة لا تقل جمالًا وكذلك الحب والامتنان والدهشة.
الإبداع لا يولد من الألم وحده بل من التجربة الإنسانية بكل ما فيها
________________
س-متى تشعرين أن القصيدة اكتملت حقًا ولم تعد بحاجة إلى مراجعة؟
ج-حين أصل إلى اللحظة التي أشعر فيها أن كل كلمة استقرت في مكانها الطبيعي.
وإذا شعرت أن أي إضافة ستكون زيادة وحشواً وأن أي حذف سيكون نقصًا مخلا بالنص أتجاوز ذلك و أترك القصيدة تمضي إلى قارئها وهي تقول لي اتركيني.
________________
س-أيهما أصعب في نظرك: كتابة قصيدة جديدة أم تجاوز قصيدة ناجحة سابقة؟
ج-التحدي الحقيقي ليس أن أكتب قصيدة جديدة بل أن أظل صادقة مع نفسي في كل نص جديد،وأنا بطبيعتي
لا أحب أن أكون أسيرة نجاح سابق لأن القصيدة التي انتهت منها وانتشرتز أصبحت ملكًا لقرائها، أما أنا فمشغولة بالقصيدة التي لم تكتب بعد.
________________
س-كيف تتعامل الشاعرة غيوم مع النقد الجارح حين يصدر من شاعر أو ناقد له وزنه في عالم النقد؟
ج-هناك فرق بين النقد والتجريح، النقد الحقيقي مهما كان صارمًا يحمل رغبة في البناء ولذلك أرحب به وأتعلم منه، أما التجريح فلا أراه إلا ضجيجا عابرًا لا يغير من قيمة النص شيئًا،
والشاعر لا يستطيع أن يرضي جميع الأذواق لذلك أصغي لكل نقد صادق .

س-أيُّهما أقرب إلى روحك: القصيدة التي تبكيك أم القصيدة التي تدهشك؟
ج-القصيدة التي تجمع بين الإدهاش والصدق هي الأقرب إلى روحي،
لكن أميل إلى القصيدة التي تُبكيني لأن الدهشة قد تعبر العقل أما القصيدة التي تُلامس الوجدان فتبقى أثرًا لا يزول.
_____________
س-هل مررتِ بفترة شعرتِ فيها أن الشعر هجرك؟ وكيف عدتِ إليه؟
ج-نعم مررت بفترات خفت فيها هجران صوت القصيدة لكن ذلك لم تكن هجرًا بقدر ما كانت استراحة يفرضها ازدحام الحياة،وأعود إليه كلما صافحتني لحظات صادقة أو هزّني موقف أو أيقظ الحنين شيئًا في داخلي.
_____________
س-ما العلاقة بين الصمت والشعر في حياتك؟
ج-الحقيقة ان الصمت هو بمثابة التربة الخصبة التي تنبت فيها القصيدة فكثير ما وُلدت في لحظات الصمت والتأمل أجمل القصائد .
_____________
س-هل تشعرين أن المنابر الأدبية أنصفت الشاعرات العربيات أم ما زالت هناك فجوة في التلقي والاحتفاء؟
ج-أرى أن حضور الشاعرات اليوم أصبح أوضح من السابق لكن ما زالت هناك فجوة في التلقي والاحتفاء أحيانًا فالمعيار الحقيقي ينبغي أن يكون جودة النص لا اسم صاحبه أو جنسه.

س-هل ترين أن كثرة القراءة تصنع شاعرًا، أم أن الموهبة هي الأساس؟
ج-الموهبة هي البذرة الأولى لكنها وحدها لا تكفي أما القراءة فهي التي تنضج الموهبة وتوسع الأفق وتصقل اللغة والرؤية فالشاعر يولد بموهبة ويكتمل بالقراءة والتجربة.
_____________
س-ما رأيك في كثرة النشر السريع في وسائل التواصل هل خدمت الشعر
أم أضعفت معاييره؟
ج-وسائل التواصل منحت الشعر مساحة واسعة للوصول إلى القراء لكنها في الوقت نفسه شجعت أحيانًا على الاستعجال في النشر قبل اكتمال النص.
_____________
س-هل الشاعر الحقيقي يحتاج إلى جمهور واسع أم يكفيه قارئ واحد يفهمه بعمق؟

ج-الجمهور الواسع نعمة
لكنه ليس معيار النجاح الحقيقي قد يساوي قارئ واحد يتذوق القصيدة بصدق مئات القراء الذين يمرون عليها مرورًا عابرًا فالأثر أهم من العد.
_____________
س-عندما يقرأ الناس قصائدك بعد سنوات طويلة ما الأثر الذي تتمنين
بقاءه منك في ذاكرتهم؟
ج-أتمنى أن يجدوا فيها صدقًا لا يشيخ وأن يشعروا بأن القصيدة كانت تكتب الإنسان قبل أن تكتب الكلمات وأن تبقى رسالتها في المحبة والجمال والأمل حاضرة في قلوبهم.
_____________

س-هل الشاعر يكتب للقارئ أم يكتب لذاته أولًا ثم يبحث عن القارئ؟
ج-أؤمن أن الشاعر يكتب لذاته أولًا لأن القصيدة تبدأ من إحساسه الصادق والنص الصادق يجد دائمًا من يحتضنه.

في ختام الحوار:
س-هل لديك كلمة تودين أن تقوليها للشعراء المبتدئين؟! وماذا ستختارين لنا من شعرك؟
ج-حتى أنا أراني مازلت مبتدئة ولكن ماأريد قوله لا تركضوا خلف الشهرة بل اركضوا خلف القصيدة الجميلة اقرؤوا كثيرًا واكتبوا بصدق وامنحوا النص حقه من التأمل والمراجعة، فالشاعر لا يصنعه التصفيق وإنما تصنعه الكلمة التي تبقى في القلب بعد أن ينتهي التصفيق.
أختار القصيدة التالية:
ما ضاق دربُ في الحياة وأظلما
إلا ولطفُ الله كان المغنما

تأتي الشدائدُ كي تعلم صبرنا
وتعيد من ضلَّ الطريق الأسلما

فإذا رجوت الله فاض عطاؤه
وانجاب ليلُ الهم عن وجه السما

كم غيمةٍ سوداء أثقلت المدى
سرعان ما انهمرت كغيثٍ
قد همى

لا يأس حتى لو تكاثف كربنا
فاليسر بعد العسر يأتي بلسما

إنَّ الرجاء بحسن ظنٍِّ صادقٍ
واللهُ بالفضل العظيم تكرما

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى