
سلسلة ” غابة الذئاب “
✍️ سمير الشحيمي – كاتب سعودي :
ليلاً ، تنطلق سيارة المسامر وخلفها سيارة مرافقة. التفت ديبوا نحو المسامر قائلاً :
— “هل أنت متأكد من أن منصور يعلم جيداً بالعصابة التي تتاجر بالعملة المزورة؟ يمكن لفريد أن يكذب لكي ينقذ نفسه”.
رد المسامر :
— “لا أتوقع من فريد أن يكذب؛ هو صحيح مجرم ولكن صاحب مبدأ وهو لا يخاف الموت. منصور لم ينطق بكل ما يعرفه ، وأنت تذكر جيداً بأن تواجد الضابط جبران المفاجئ ببرج الكريستال ودخوله ونحن نتحدث مع منصور قد أفقدنا زمام المبادرة”.
قال ديبوا وهو ينظر إلى الطريق :
— “لم يتبقَ إلا القليل وسنصل إلى منزل منصور، وسنعرف ما يخبئه”.
في المنطقة السكنية، حيث يقع منزل منعزل، وما إن توقفت السيارتان حتى حدث ما لم يكن في الحسبان؛ انفجر منزل منصور وتطاير الزجاج في كل مكان، واهتزت السيارات المتوقفة بالحي.
خرج المسامر وديبوا وبقية الرجال شاهرين أسلحتهم، وهم ينظرون إلى النار التي تلتهم منزل منصور. أعاد المسامر سلاحه إلى خصره وقال :
— “آخر دليل تم التخلص منه”.
تصاعد الدخان في السماء، وأنارت النار ظلام مدينة الأبراج.
المدينة الغائمة
في إحدى ضواحي المدينة الغائمة، وفي قصر مطل على المدينة، كانت الغرفة غارقة في ظلال رمادية، يتوسطها مكتب ضخم من خشب الأبنوس، وخلفه نافذة ممتدة من الأرض إلى السقف تعكس أضواء المدينة التي تبدو كأنها تحت قدميه.
يجلس رجل شديد الهيبة خلف مكتبه يتأمل أضواء المدينة، ثم نهض باتجاه طاولة بها عدة أنواع من الأشربة الفاخرة. سكب في كأسه ببطء، وصوت ارتطام السائل بالثلج هو الصوت الوحيد الذي يُسمع في الغرفة.
فجأة، فُتح باب الغرفة ودخلت امرأة جميلة على عينيها نظارة ليست طبية ، ترتدي بلوزة سوداء وجينزاً أسود، تتحرك بخفة كاللبوة وبخطوات متسارعة، ملامحها تحمل اضطراباً نادراً.
قالت المرأة بصوت منخفض مشوب بالحذر :
— “أيها البارون، وصلني خبر من (الداخل).. الجد العقيد.. فارق الحياة”.
(البارون : رجل مافيا، إحدى شخصيات غابة الذئاب – راجع رواية الجزء الأول).
توقف البارون عن تحريك كأسه، لكنه لم يلتفت إليها. ساد صمت ثقيل لثوانٍ، ثم قال بهدوء مريب :
— “أعيدي ما قلته يا ليليان؟”
قالت ليليان بهدوء :
— “الجد العقيد فارق الحياة”.
البارون :
— “فارق الحياة؟ كيف؟”
ليليان :
— “أزمة قلبية حادة في زنزانته. التقرير الطبي الأولي يقول إن قلبه لم يتحمل الضغط، وتم نقله إلى المستشفى تمهيداً لترحيله إلى مدينة الأبراج ليستلم ذووه جثمانه”.
تحركت ليليان لتقترب من البارون أكثر، وأكملت بنبرة فيها لمحة من الأسى :
— “يبدو أن الرسالة التي أرسلناها له أفقدته حياته، ولم يتحمل رؤية اسم (الأرملة السوداء)”.
فجأة، ترددت في الغرفة ضحكة منخفضة، عميقة، تقشعر لها الأبدان. يلتفت البارون بكرسيه ليواجه ليليان، وعلى وجهه ابتسامة ساخرة قائلاً :
— “أزمة قلبية؟ العقيد الذي نجا من أكثر الاغتيالات دموية تقتله ورقة كُتب عليها (الأرملة السوداء)؟”
نهض البارون ومشى ببطء نحو النافذة، يراقب أضواء المدينة.
مدينة قمرة
في قصر الأرملة السوداء، وتحديداً في مكتبها، كانت تنظر إلى الخارج من خلال النافذة المطلة على الصحراء الشاسعة، حيث قافلة من الجمال تقطع كثبانها بخفة منقطعة النظير. كانت الأرملة السوداء تمسح خنجرها بقطعة من الحرير الأسود.
دخل رجلها (صقر) إلى مكتبها بخطوات هادئة، ووقف بالقرب من مكتبها وانحنى لها باحترام قائلاً :
— “وصلنا للتو من المدينة الغائمة خبر وفاة الجد العقيد في مستشفى المدينة بسبب أزمة قلبية”.
تجمدت يد الأرملة السوداء عن الحركة وهي تمسح الخنجر. صُعقت بالخبر في داخلها، ولكن ملامحها لم تهتز وهي تحدث نفسها قائلة :
— “مات العقيد؟!”
مدينة الأبراج
كانت خيوط الشمس تنسحب ببطء من غرفة المسامر، تاركةً ظلالاً طويلة ترقص على شاشة (الآيباد) الذي أمامه. كان زعيم منظمة “الذئب الأسود” يغرق في سكونه المعتاد، لولا صوت وقع أقدام مضطربة تقترب من الباب الثقيل.
انفتح الباب ببطء، وظهرت السيدة أنفال، مدبرة المنزل التي أفنت عمرها في خدمة آل العقيد. كانت يداها ترتجفان وهي تضم طرف شالها الأسود إلى صدرها، وعيناها اللتان غطاهما الدمع تحكيان حكاية لم يجرؤ لسانها على نطقها بعد.
توقف المسامر عن مشاهدة جهاز الآيباد الذي بيده، ولم يرفع رأسه، بل قال بصوته الأجش :
— “كم مرة أخبرتكِ يا سيدة أنفال.. لا أحد يقطع خلوتي في هذا الوقت”.
شهقة مكتومة أفلتت من صدرها جعلته يتصلب في مكانه. رفع رأسه ببطء ليرى ملامحها المنكسرة، وساد صمت ثقيل يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة.
السيدة أنفال :
— “بني…” تعثرت الكلمات في حلقها : “(العقيد.. الجد..)”، خنقتها العبرة ثم أكملت : “(لقد مات الجد العقيد)”.
اتسعت عينا المسامر، وارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة مشوبة بالذهول. اختلطت مشاعره وأفكاره ثم قال :
— “ماذا تقولين؟ العقيد؟ تقصدين والدي؟”
قالت السيدة أنفال بصوت مخنوق :
— “يا ولدي.. لقد أتى خبر وفاته بعد أن نقلوه إلى مستشفى المدينة الغائمة”.
وقف المسامر، واقترب منها بخطوات بطيئة وقال :
— “لقد كنت أنتظر خروجه من السجن بفارغ الصبر لكي أقف معه جنباً إلى جنب لقيادة منظمة الذئب الأسود”.
تراجع خطوة إلى الخلف ثم قال بهمس :
— “رحل أبي بالتبني السيد مارك كوين دون أن يقول لي ولا كلمة ، والآن أبي العقيد رحل دون أن يودعني أو يقول لي نصيحة من نصائحه الأخيرة”.
أحنت السيدة أنفال رأسها وهي تنشج بالبكاء، بينما غرق المسامر في مقعده، محاطاً بظلال غرفته، غارقاً بين التكذيب الذي يمنحه القوة، واليقين الذي يكسر قلبه.
يتبع….
للتواصل : [email protected]



