
“سلسلة غابة الذئاب ”
✍️سمير الشحيمي – كاتب عماني :
تنعكس أشعة الشمس الحادة على واجهة “برج الكريستال”، ليتحول المبنى إلى نصلٍ زجاجي يطعن السماء. تتوقف ثلاث سيارات دفع رباعي سوداء بصرير حاد أمام المدخل الرئيسي.
ينفتح الباب الخلفي، وترجل المسامر بهدوء يسبق العاصفة. يرتدي بدلته البيضاء الأنيقة، وعيناه تختبئان خلف نظارات سوداء لا تعكس إلا ملامح حراس أمن مصنع الكريستال المذعورين. يقف ديبوا بجواره، ومن خلفه يتحرك رجاله كظلالٍ مدربة، لا يتحدثون ولكن أيديهم القريبة من خصورهم تقول كل شيء.
المكان يعج بروح الشرطة الذين يتجهون إلى قبو مصنع الكريستال لطباعة الكتب والأوراق، ومن بينهم الضابط جبران. عندما رأى المسامر توجه إليه قائلاً:
— السيد سام! أراك هنا، لم أرك منذ قضية شتلة الساحلية واغتيال رجلك يوسف (راجع رواية ضوء القمر).
المسامر وهو يبتسم:
— الضابط جبران، سعيد جداً لرؤيتك. نعم، مضى وقت ليس بالبعيد منذ التقينا آخر مرة.
يقترب الضابط جبران أكثر من المسامر وكأنه يهمس له:
— هل لك يد بما حدث هنا في مصنع الكريستال لطباعة الكتب والأوراق؟
المسامر:
— إن كان لي يد لكنت ستعرف، تأكد من ذلك.
الضابط وهو يقف بشموخ:
— ما الذي جاء بك إلى هنا إذاً؟
المسامر:
— أريد طباعة سيرتي الذاتية، وأتيت لأتفق معهم على السعر وعدد النسخ التي أريدها.
يبتسم الضابط جبران وهو يشير بيده:
— سأكون أول شخص يقرأ كتابك.
ثم أشار إلى رجال الشرطة واتجهوا إلى القبو.
يدلف المسامر إلى الداخل، يقطع صدى خطواته على الرخام ضجيج الموظفين، ويتوجه مباشرة إلى المصاعد الذهبية. يحاول موظف الأمن الاعتراض، وقال بارتباك:
— سيدي، هل لديك موعد…؟
لا ينظر إليه المسامر، بل يكتفي بإشارة بسيطة من يده لرجاله، فيتقدم أحدهم ويضع يده على كتف الموظف ويجمده في مكانه.
يصعد المصعد إلى الطابق الـ 90، ويفتح بابه على ردهة واسعة تطل على المدينة بأكملها. يقتحم المسامر وديبوا مكتب المدير (منصور)، الذي كان يقف خلف زجاج نافذته الشاسعة.
شعر منصور عند رؤيته للمسامر بالارتباك والخوف، وحاول استجماع شجاعته قائلاً:
— السيد سام! لم أكن أتوقع زيارتك، بماذا أستطيع أن أخدمك؟
يسحب المسامر كرسياً ويجلس ببرود قائلاً:
— المصنع ينتج أوراقاً لطباعة الكتب يا منصور… لكن الصناديق التي خرجت ليلة أمس كانت تحمل “أدباً” من نوع آخر؛ عملة مزورة.
يتلعثم منصور:
— أنا مجرد مدير تنفيذي، الطلبيات تأتي ونحن ننفذ…
يقاطعه المسامر بحدة وهو يميل إلى الأمام:
— لا تضيع وقتي، أنت واجهة زجاجية مثل هذا البرج؛ تلمع من الخارج وفارغ من الداخل. أنت تعلم ما الذي أريده، أريد الإسم الذي يقف خلف هذا كله.
يهمس منصور بخوف:
— إذا تكلمت… سأكون في عداد الموتى قبل أن أخرج من هذا البرج.
يبتسم المسامر ببرود ويخرج ولاعة يشعلها:
— وإذا لم تتكلم، سأحرق هذا المصنع بمن فيه، وسأبدأ من هذا المكتب. مَن هو الزعيم الفعلي الذي أمر بتهريب تلك الصناديق؟ ومن هي العصابة الأخرى التي كانت تساعده وتحميه؟
ينظر منصور إلى الأسفل، ثم يهمس بصوت مرتجف:
— لا أستطيع إخبارك، سوف أُقتل بمجرد نطقي للاسم.
يهم ديبوا بسحب مسدسه من خاصرته، وفجأة فُتح باب المصعد خلفه وسُمع صوت الضابط جبران، مما جعله يتراجع عما كان يريد فعله. تنفس منصور الصعداء، وقال الضابط جبران:
— آسف، هل قاطعتكم؟
يبتسم المسامر وهو ينهض:
— لا، لقد انتهيت بالفعل من التحدث مع السيد منصور… السيد منصور، سأتصل بك بخصوص كمية النسخ التي أريد طباعتها.
ينظر منصور بابتسامة مرتبكة:
— سأكون في انتظارك سيد سام.
وغادر المسامر المكان.
مدينة الأبراج
في الشارع العام، ينطلق موكب من 3 سيارات. في إحدى هذه السيارات كان يتواجد السيد عارم، أحد مؤسسي مافيا العراب (آل السامر). رن هاتف المحمول، فأجاب على المكالمة:
— نعم سيد قتادة، بماذا أستطيع أن أخدمك؟
السيد قتادة من خلف مكتبه:
— سيد عارم، هل علمت بما فعله المسامر؟
السيد عارم:
— نعم، لدي علم بكل شيء.
السيد قتادة:
— ما العمل الآن؟
السيد عارم:
— نبقى بعيداً لنرى ما الذي سيحدث.
السيد قتادة:
— ألا ينتابك الفضول من هذه العصابات التي بدأت تتوافد إلى مدينتنا؟ وبما أن لنا الحصة الأكبر في مدينة الأبراج، فلا بد وأن نكون على علم بأي تحركات تحصل.
السيد عارم:
— كلامك صحيح، ولكن في نفس الوقت نحن لا نتعامل مع هذه المجموعات الصغيرة من العصابات. لا تقلق، بما أن المسامر يتصدر المشهد، فلندعه يعمل ونراقب ما سيفعله.
السيد قتادة:
— حسناً.
وأغلق الخط.
في قلب الصحراء الجنوبية على أطراف (مدينة قمرة)، حيث يقع مقر لإحدى العصابات المتخفية عن أنظار العالم.
كانت القصر الزحاجي من الخارج مدفونة في أغلبها تحت الرمال بطريقة ساحرة تدل على عبقرية صاحب الفكرة. وفي إحدى غرفها كانت الإضاءة خافتة، يطغى عليها اللون الأحمر القاني والظلال الطويلة. في زاوية الغرفة الواسعة، تجلس “امرأة ترتدي فستاناً أسود قاتم اللون” خلف مكتب من الزجاج الأسود، تعبث بخنجر صغير ببرود، وعيناها تشعان بهدوء مخيف.
فجأة، يُفتح باب الغرفة بهدوء، ويدخل أحد رجالها الذي يبدو أنه ذراعها اليمنى. يتقدم بخطوات ثابتة، ويحني رأسه قليلاً علامة على الاحترام قبل أن يتحدث بنبرة منخفضة ومفعمة بالثقة:
— احترامي سيدتي.. ، الصناديق أصبحت الآن في قلب السوق السوداء، والعملات المزورة بدأت تتدفق في الشرايين كما خططنا تماماً، لا أحد يشك في مصدرها.
تتوقف المرأة عن اللعب بالخنجر، وترفع بصرها ببطء قائلة :
— هذا جيد يا (صقر)، المهمة الأولى قد انتهينا منها.
صقر :
— (المسامر) قد زار مصنع الكريستال لطباعة الكتب والأوراق، وقد استجوب رجلنا (منصور) لكنه لم يستطع أن يأخذ منه أي كلمة.
المرأة :
— المسامر لن يهدأ له بال إلى أن يعرف كل شيء. اليوم أريد منك أن تقوم بزيارة خاصة لمنصور.
صقر :
— أمرك سيدتي.
تقف المرأة ببطء وتمشي باتجاه النافذة المطلة على رمال الصحراء الشاسعة قائلة:
— أخبر رجالك أن يبقوا في الظل، ولا تتركوا له حتى رائحة تدله علينا، هناك أعمال أخرى لم تنجز.
يقف صقر باحترام:
— أمرك أيتها (الأرملة السوداء).
فغادر المكتب، وظلت الأرملة السوداء تنظر إلى الأفق البعيد.
مدينة الأبراج
توقفت سيارة المسامر أمام الباب الخشبي الضخم لأحد المنازل؛ إنه مقر إقامة فريد، زعيم عصابة (القط الأسود) (راجع رواية ضوء القمر). ينزل المسامر وبرفقته ديبوا الذي قال له:
— هل أنت متأكد من أن هذا القط المدعو فريد له يد في موضوع الهجوم الغادر الذي حدث في قبو مصنع الكريستال؟
المسامر:
— كل التأكيد، لا أحد سواه يجرؤ على هذا الأمر، إنه يحب رائحة المال وهو من المرتزقة.
كان الحراس حذرين عندما رأوا المسامر، فهم يعلمون جيداً من يكون، فمر من أمامهم دون أن ينطقوا بأي حرف.
دخل المسامر إلى المكتب ليجد فريد جالساً بهدوء غريب، وكأنه كان ينتظره.
المسامر بنبرة حادة تخترق الصمت:
— لقد توقعت بأن تكون مجرماً محباً للمال، ولكن أن تهاجمني وتحبط ما كنت أخطط له، فهذا ما لم أحسب له حساباً يا فريد!
يبتسم فريد ببرود وهو يرتشف قهوته:
— أنت تعلم جيداً بأنني أعمل مع من يدفع أكثر، هذا هو هدفي؛ المال ولا شيء آخر. ولا أريد أن يكون بيني وبينك ضغينة ، هذا مجال عملنا وأنا أكن لك الاحترام والتقدير.
يتقدم المسامر خطوة قائلاً:
— لا تتحدث معي وكأننا نعمل في نفس المجال! أنا هدفي هو محاربة الإجرام كيفما كان شكله وإفساد ما يفعلونه. تلك الأوراق المزورة التي طُبعت في الكريستال ليست مجرد أموال مزورة، إنها سلاح خطير سيمتلئ السوق السوداء بها.
يضع فريد الفنجان بهدوء:
— وما الذي تريده الآن؟
يضرب المسامر المكتب بيده:
— جئت لأعرف الحقيقة؛ مَن يقف وراء هذه الشاحنات التي تم تهريب الأموال المزورة بداخلها؟ أريد معرفة من الذي يحرك الخيوط من خلفك؟ مَن هو الرأس الكبير؟
ساد الصمت الغرفة، وكأن الهواء تجمد بينهما. نظر فريد إلى المسامر بنظرة غامضة، ثم نهض واتجه نحو النافذة.
فريد:
— أنت تريد أسماءً إذا نطقت بها سوف تعجز عن التصدي لها. هناك قوى لا تريد المال فقط، بل تريد السيطرة على اقتصاد مدينة الأبراج بالكامل.
المسامر:
— لا يهمني من تكون هذه القوى، لقد أفسدت عليّ عمليتي بهجومك الغادر، فعليك أن تعطيني اسماً.. من يقف وراء هذا كله؟
يلتفت فريد ببطء:
— إذا أردت معرفة من يكون، فاذهب إلى منصور المدير التنفيذي لمصنع الكريستال، هو الوحيد الذي سيجيبك عن هذا السؤال. أنا التقيت بامرأة في ليلة الهجوم وهي من أعطتني التعليمات، ولكن منصور هو من كان في السيارة التي كانت تقلها، وهو يعرفها جيداً.
المسامر:
— منصور؟ لقد كنت معه في مكتبه ولم يعطني أي معلومات.
فريد:
— ارجع إليه، أما أنا فقد كنت أقوم بواجبي الذي طُلب مني.
المسامر:
— سأذهب إلى منزله. وتذكر يا فريد، لا تتدخل في أعمالي، فوقتها لن تكون مدينة الأبراج واسعة بما يكفي لتهرب مني.
غادر المسامر المكان.
يُتبع….
للتواصل : [email protected]



