كتاب الرأي

السعادة التي وعدتنا بها التذاكر

       ✍️ريم منصور سلطان – كاتبة سعودية :

منذ أعوام ونحن ندور حول سؤالٍ جوهري نخشى مواجهته لأن الإجابة قد تكون أكثر إزعاجًا من السؤال نفسه.: لماذا أسافر؟ لا أعني السؤال البسيط الذي تُجيب عنه شركات الطيران في إعلاناتها، أعني بذلك السؤال الحقيقي: هل السفر الذي نقوم به يصدر عن رغبة حرة أصيلة ؟ أم أنه صدى لصوت آخر لا ينتمي إلينا ؟
فقد كان السفر في الماضي تجربة إستثنائية، يخرج إليها الإنسان بحثًا عن الرزق، أو لإكتشاف العالم الواسع خلف حدود مدينته، وقد مجد القدماء الترحال وعشقوا المجهولة ، غير أن ما يميّز عصرنا عن كل ما سبقه هو أن السفر لم يعد فعلًا فرديًا نابعًا من ذاتٍ تبحث ،ولكنها أصبحت مؤسسةً اجتماعية لها قواعدها، وطقوسها، ومحاكمها غير المعلنة ، حتى بدا وكأن قيمة الإجازة لا تكتمل إلا بختم جواز سفر، أو بصورة تُنشر من مطار أو شاطئ أو مدينة بعيدة، وأصبح عدم السفر يعني ضمنًا وبشكل لا يُقال صراحةً نوعًا من الفشل.
هذا التمييز بين الرغبة الحرة والرغبة المُعارة هو جوهر ما أريد الكلام عنه، لقد ساهمت وسائل التواصل الإجتماعي في هذا التحول بصورة كبيرة، فالسفر لم يعد مجرد تجربة تُعاش، إنما أصبح تجربة تُعرض وأصبح الإنسان يشاهد عشرات الرحلات يوميًا أمامه عبر المؤثرين وأصدقائه المقربين، حتى تشكل داخله شعور خفي بأن الجميع يسافر إلا هو، وأن السعادة تحدث في مكان آخر، وأن الحياة الحقيقية تبدأ عند بوابة المغادرة.
ومع الوقت، تحولت من رغبة إلى معيار إجتماعي للنجاح والرفاهية فلم يعد السؤال: هل أحتاج إلى السفر؟ ولكن: ماذا سيقول الآخرون إذا لم أسافر؟ وهنا تبدأ المشكلة، لأن القرار لم يعد نابعًا من حاجة داخلية، بل من ضغط خارجي يصنعه الشعور بالمقارنة ، ثم جاء التقسيط ليُكمل المشهد بأناقة مريبة، سافر الآن وأدفع لاحقًا ليست مجرد حيلة تجارية، هي في جوهرها موقف يخبرك أن الحاضر أهم من المستقبل، وأن اللحظة تستحق أن تُسرق من الغد تلك هي فلسفة العيش اللحظي فيقول لك: “أنت لا تملك ما يكفي لتعيش كما ينبغي، لكنك تستطيع أن تتظاهر بذلك مقابل فائدة شهرية، وهنا تتحول الرحلة من تجربة حرة إلى سجن مزين بالمناظر الطبيعي،.والإنسان الذي يعود من رحلته ليجد أن أجمل ما فيها كانت الصور، وأثقل ما فيها كانت الأقساط هذا الإنسان لم يسافر حقًا، لقد اشترى وهمَ السفر، ودفع ثمنه مرتين: مرةً من ماله، ومرةً من روحه.
والأخطر من العبء المالي هو الأثر النفسي، فالشخص الذي يسافر ليلاحق صورة مثالية للحياة غالبًا ما يعود ليكتشف أن مشكلاته ما زالت تنتظره، لأن السفر قد يغير المكان، لكنه لا يغير الإنسان ما لم يكن مستعدًا لذلك من الداخل، ولهذا نجد بعض الناس يزورون عشرات المدن، لكنهم لا يجدون السكينة التي كانوا يبحثون عنها.
لقد أقنعنا العصر الحديث بأن السعادة بعيدة دائمًا، في بلد آخر أو صورة أخرى، بينما الحقيقة أن الإنسان قد يجد من الراحة والمعنى ما لا يجده في أبعد الرحلات، إذا أحسن النظر إلى حياته كما هي.
حين نُحلّل دوافع السفر في عصر الفرجة، نجد أن المُحرّك الأكثر حضورًا ليس الفضول الفضول الحقيقي يُحرّك القراءة والتأمل والحوار بالقدر ذاته ولكنه الهروب من الروتين، من الذات، وهنا يعود بالظهور السؤال الصعب: من أنا حين لا أكون في مكان مثير؟
لا أكتب هذا المقال هجومًا على السفر في حد ذاته ولكني أريد أن يكون ذلك نابع عن رغبه حقيقية يُريدها الإنسان فعلًا وليس فيها خوفًا من نظرة الأخرين اليه .
وفي النهاية، ليست المشكلة في السفر ولكن في تحوله إلى فريضة إجتماعي غير معلنة، فحين تصبح الرحلة وسيلة لإرضاء الآخرين لا النفس، وحين يتحول الإستمتاع إلى منافسة تفقد التجربة معناها الحقيقي، وربما كانت الحكمة أن نسأل أنفسنا قبل أي رحلة: هل أسافر لأنني أريد ذلك حقًا، أم لأن العالم أقنعني أن عليّ أن أفعل ذلك؟ و الفارق بين الجوابين هو الفارق بين أن تكون سيّد قرارك لا عبد صورتك.

للتواصل : [email protected]

عبدالله الحايطي

مؤسس ومالك صحيفة عنوان الأخبارية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى