كتاب الرأي

غابة الذئاب الأرملة السوداء

" الفصل الأول "

      ✍️سمير الشحيمي – كاتب عماني :

     “مدينة الأبراج
على أطراف مدينة الأبراج، القريبة من الغابة، كان الهدوء يعم المكان ولا يكسره سوى طنين الحشرات التي تملأ الفضاء. فجأة، توقفت عدة مركبات سوداء اللون أمام مدخل أحد الأبراج، والذي كُتب على لافتته : (مصنع برج كريستال لطباعة) المكون من تسعين طابقاً. كانت المدينة تبدو كلوحة من الأضواء الساكنة، لكن في القبو السفلي للمصنع، كان المشهد مختلفاً تماماً.
هناك، اجتمع عدة رجال يتوسطهم أحدهم، ويبدو أنه قائدهم؛ كان يوزع التعليمات لرجاله قبل أن ينتشروا في المكان. لم يكونوا لصوصاً عاديين، بل عصابة منظمة تدير عملياتها بدقة جراحية. كانوا يفرغون شاحنات غامضة تحمل شعار مصنع كريستال لطباعة الأوراق، لكن محتواها كان يختلف تماماً عن القرطاسية المعتادة؛ إذ كانت الصناديق محملة بأموال طائلة تُشحن بسرية تامة.
“بسرعة! إذا طلع الفجر ولم ننتهِ، فالموت سيكون أرحم لنا من غضبها!” صرخ قائدهم وهو يراقب الساعة الرقمية في معصمه.
لم يدركوا أن هناك أعيناً تراقب مدخل القبو من فوق تلة صخرية تطل على المصنع من اتجاه الغابة؛ أعينٌ لا تعرف الخوف، ولا تعترف بالقوانين.
“الذئب الأسود” ورجاله
على حافة الغابة، حيث يتداخل سواد الشجر بسواد الليل، وقف “المسامر”، زعيم منظمة الذئب الأسود. لم يكن يرتدي بذلة رسمية كبقية زعماء المافيا في مدينة الأبراج، بل كان يرتدي معطفاً جلدياً طويلاً يخفي خلفه ترسانة من الأسلحة والمهارات الفتاكة.
خلفه، وقف رجاله بصمت مطبق، يرتدون الأقنعة السوداء التي اشتهروا بها. لم يكونوا مجرد “منظمة” عادية؛ بل كانوا القانون السري الذي يخشاه حتى الفاسدون في الحكومة.
أخرج “سام” سيجارة، وأشعلها بهدوء، ثم نفث الدخان وهو يراقب عن كثب مدخل القبو. قال مساعده وصديقه الوفي “ديبوا” بصوت رخيم يشبه زمجرة منخفضة :
“ألم يحن الوقت بعد؟ ظنوا أن مدينة الأبراج قد شغلتنا عن جذورنا. حان الوقت ليعرفوا أن الذئب لا ينام حين تُنتهك أرضه.”
رمى سام سيجارته قائلاً : “حان الوقت أيها الجرو الصغير، سوف نفاجئهم.”
بإشارة بسيطة من يده، استل رجاله أسلحتهم الصامتة، وانزلقوا نحو المصنع مثل أشباح تتحرك وسط الضباب.
الكمين والمواجهة
انتهى رجال العصابة من شحن الصناديق واستعدوا للخروج، وفجأة انطفأت الأنوار داخل القبو. صرخ قائدهم محذراً ليتنبهوا ويستلوا أسلحتهم.
وفي تلك اللحظة، اقتحم المسامر القبو كالإعصار، يتبعه رجاله المسلحون الذين انتشروا في زوايا المكان بدقة واحترافية عالية. بملامحه الحادة ونظرته التي لا تعرف التردد، وقف المسامر صارخاً بأعلى صوته : “الشاحنات لن تتحرك متراً واحداً، اللعبة انتهت!”
رد قائد العصابة بغضب : “أنت تلعب بالنار! هذه الأموال تقف خلفها رؤوس أكبر مما تتخيل!”
لم ينتظر المسامر الرد، بل أعطى إشارة لرجاله وبدأت الاشتباكات؛ أزيز الرصاص يمزق سكون القبو، وصوت ارتطام الأجساد بالأرض يملأ المكان. كان المسامر يتحرك بخفة، يواجه رجال العصابة وجهاً لوجه، محبطاً كل محاولة لتشغيل محركات الشاحنات.
بينما كان المسامر يوشك على إطباق الخناق على العصابة، حدث ما لم يكن في الحسبان. سُمع دوي انفجار هائل عند البوابة الخلفية للقبو التي دخلوا منها، ثم انهمر وابل من الرصاص الكثيف والمفاجئ.
دخلت مجموعة من الرجال يرتدون الأقنعة ومدججون بالأسلحة الأوتوماتيكية، ليجد المسامر ورجاله أنفسهم بين فكي كماشة؛ عصابة الأموال المزورة من أمامهم، والعصابة التي أتت على غفلة من خلفهم.
تراجع المسامر خلف إحدى الشاحنات المحملة بصناديق الأموال، والرصاص ينهال عليه كالمطر من كل جانب. كان محاصراً تماماً هو ورجاله، وضجيج المحركات بدأ يعلو مجدداً؛ إذ استعدت العصابة الأولى للمغادرة تحت حماية النيران الكثيفة للعصابة الجديدة.
نظر المسامر إلى رجاله القلائل المتبقين؛ كان ديبوا ينظر إليه ووجهه يتصبب عرقاً وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة. كان يعلم أن الخروج من هذا القبو يحتاج إلى معجزة في ظل هذا الكمين الغادر.
أدرك المسامر أن المواجهة المباشرة تعني الإبادة، فخطرت له فكرة كقائد فذ لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. وضع خطة تعتمد على التمويه واستغلال ثغرة هندسية في المكان، فأمر رجاله بإلقاء جميع القنابل الدخانية والصوتية نحو المدخل (حيث العصابة التي هاجمتهم من الخلف). استجاب الجميع لأوامره فانعدمت الرؤية تماماً، وبدأ الرصاص الطائش يضرب من كل جانب، مما جعل العصابتين تتبادلان إطلاق النار بشكل عشوائي في قلب الضباب.
انسحب المسامر ورجاله محتمين بجدران القبو وخلف حاجز إسمنتي. أخرج المسامر من حزامه عبوة بلاستيكية صغيرة شديدة الانفجار (C4) لتفجير نقطة ضعف في الجدار الخلفي للقبو، بعيداً عن أعين الجميع.
استمر رجال الذئب الأسود في إطلاق النار باتجاه مدخل القبو، حيث أجبر الدخان المتصاعد الجميع على التراجع والارتباك، مما منحهم ثوانٍ ثمينة للقفز عبر الفتحة التي صنعها “سام” في الجدار، والتي كانت تقود إلى ممرات الصرف الصحي. بعد 200 متر من السير في الظلام، خرجوا من فوهة بالقرب من النهر الذي يمر بالغابة.
تنفس المسامر ورجاله الصعداء، وارتمت أجسادهم المتعبة على الأرض، فقال ديبوا وهو يلتقط أنفاسه: “ما الذي حدث بالداخل يا إلهي؟! لقد كان الوضع كابوساً حقيقياً!”
مسح المسامر عن وجهه آثار العرق والغبار قائلاً: “لا أعلم، ولكن كل ما أعرفه هو أننا نجونا بإعجوبة.”

على الجانب الآخر
على الجهة المقابلة من التل الصخري الكبير، كانت تقف سيارة سوداء ذات دفع رباعي تراقب خروج الشاحنات من القبو بسرعة وتحت حراسة أمنية مشددة. ثم أتت سيارة أخرى وقفت بجوارها، ونزل منها رجل يرتدي قناعاً على وجهه، وتقدم نحو باب السيارة الخلفي. انخفض زجاج النافذة لتظهر امرأة ملامحها غير واضحة وهي تدخن سيجارة.
نزع الرجل قناعه قائلاً : “لقد تراجع المسامر واستطاع الهرب، هل نطارده؟”
نفثت المرأة دخان سيجارتها قائلة ببرود : “لا داعي لذلك، وسيصلك باقي المبلغ عندما تصل بقية الحمولة إلى المكان المتفق عليه.”
أُغلقت النافذة، وتحركت السيارة مبتعدة في عتمة الليل.

المدينة الغائمة
في السجن المركزي، وتحديداً داخل إحدى الزنزانات، كان الصمت مهيباً لا يكسره إلا صوت تقليب صفحات كتاب. جلس العقيد الملقب بـ “الجد” على كرسيه المتحرك المصنوع من ألياف الكربون، ويقف بجواره “جوزيف” كالجبل الأصم؛ حارسه الشخصي، اليد التي يبطش بها الجد، وعينه التي لا تنام.
سُمع صوت فتح باب الزنزانة، ودخل أحد الحراس وبيده رسالة وضعها على طاولة الجد ثم انسحب بهدوء.
فتح الجد الرسالة ببرود، لكن عينيه اتسعتا فجأة! كانت الرسالة تحتوي على عبارتين فقط : “الأرملة السوداء…”
تصلبت ملامح الجد ، واستعاد شريط ذكريات طويل في رأسه الأشيب. “الأرملة السوداء” لم تكن مجرد اسم عابر، بل كانت الشيء الوحيد الذي لم يتوقع أن يمر هذا الاسم ولو في أحلامه، فقد كان قد قرر نسيانه إلى الأبد.
أطبق الجد قبضته على الرسالة حتى تلاشت معالم الورقة، ثم نظر إلى جوزيف الذي اقترب منه بسرعة قائلاً بقلق : “ماذا هناك أيها الجد؟ ما المكتوب في الورقة؟”
ظل الجد في حالة صمت، ثم تغيرت ملامح وجهه فجأة ووضع يده على صدره، وزاغت عيناه وسقط رأسه جانباً، وسقطت الرسالة من يده.
تعالت صرخات جوزيف المحتجة وهو يضرب أبواب الزنزانة الحديدية منادياً الأطباء. هرع الحراس إليه ووجدو الجد فاقداً للوعي، فاستدعوا طبيب السجن فوراً. أتى الطبيب وفحص العقيد، ثم طلب منهم نقله فوراً إلى المستشفى لإصابته بأزمة قلبية حادة.
هرع مأمور السجن مع الطاقم الطبي وسيارات الإسعاف التابعة للسجن المركزي لنقل الجد. أراد جوزيف مرافقته، لكن مأمور السجن رفض في البداية، ومع إصرار جوزيف الشديد وافق المأمور بشرط أن يكون برفقتهم أحد حراس السجن.
انطلقت سيارة الإسعاف مسرعة، مخترقة بوابة السجن المركزي باتجاه مستشفى المدينة…

يُتبع…
للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى