(على خلق الغيث ) علمتني أمي

✍️ أروى بنت مسلط العتيبي – كاتبه سعودية:
ليست النفوس سواء فبعضها يمر في الحياة كالغيم يروي ثم يمضي غير عابئ بمن شكر أو جحد وبعضها يحمل من الحياة حسابًا دقيقًا لما أعطى وما أخذ.
ولعل أصدق ما يكشف معادن البشر ليس ما يقولونه عن الفضيلة بل ما يفعلونه حين لا يجد إحسانهم صدى ولا معروفهم اعترافًا فهناك تنقسم الأرواح إلى قسمين أرواح يتوقف خيرها عند أول خذلان وأرواح يزداد صفاؤها كلما ازدادت قسوة الدنيا عليها لأنها لم تتخذ الناس غاية وإنما اتخذت الله شاهدًا.
وقد عرفت هذا المعنى في أمي فما رأيتها يوما تجعل الإحسان وسيلةً إلى المحبة ولا المعروف طريقًا إلى الامتنان بل كانت ترى العطاء رسالة يؤديها القلب قبل أن تؤديها اليد حتى غدا الخير في حياتها خلقًا لا فعلًا وطبيعةً لا تكلفًا.
في القلوب أرضًا إذا نزل عليها المعروف أنبتت الشكر كما تنبت الرياض أزهار الربيع وفيها أرض أخرى تشرب ماء الإحسان ثم لا تخرج إلا أشواك الجحود كأنها لم تعرف للمطر فضلًا ولم تحفظ للسحاب يدًا
وقد عرفت في أمي قلبًا لو قدِّر للفضائل أن تتجسد في إنسان لكان بعض ملامحها ولو أذن للرحمة أن تنطق لكان بعض حديثها ولو أتيح للعطاء أن يختار لنفسه صورةً بين الناس لاختار وجهها
كانت إذا أعطت حسبت أن يدها إنما تؤدي أمانةً أودعها الله فيها لا منحةً تتفضل بها على أحد وكانت ترى المعروف طائرًا خلِق ليطير فلا تمد إليه خيطًا من المنِّ يشد جناحيه ولا قيدًا من انتظار الثناء يكسر حريته بل تطلقه في آفاق الله ثم تعود وقد نسيت إلى أي سماءٍ حلق
رأيت الناس يأخذون من ضوء سراجها حتى إذا امتلأت بيوتهم نورًا التفت بعضهم إلى السراج نفسه ينكر أنه كان يومًا سببًا في انقشاع الظلمة وكأن النور إذا طال مقامه في البيوت أصبح في ظنهم مولود الجدران لا هدية المصباح
وما الجحود إلا غبار يعمى به البصر لا الحقيقة فإن الشمس لا ينقصها أن يغلق أحدهم نافذته ولا البحر يضيق لأن ظامئًا أنكر ماءه ولا الجبل تهتز قامته لأن عابرًا لم يرفع رأسه إليه وكذلك النفوس العظيمة لا تصغرها ألسنة الجاحدين لأن مقاديرها ليست في أفواه الناس بل في ميزان السماء
وكنت أرقبها كلما عاد إليها المعروف مكسور الجناح بعد أن طار إلى غير أهله تضمده بابتسامة وتمسح عن قلبه غبار الطريق ثم تطلقه من جديد كأنها تخشى على الإحسان أن يموت في الأرض أكثر مما تخشى على نفسها ألم الخذلان
ولقد أدركت منها أن الخير لا ينبغي أن يكون مرآةً تعكس وجوه الناس بل شمسًا تشرق لأنها خلقت للإشراق فإن أضاءت وجوهًا شاكرة فذلك فضل وإن وقعت أشعتها على صخورٍ لا تعرف الدفء فليس في الشمس نقص وإنما النقص في الحجر الذي لم يتعلم كيف يختزن الضوء
إن النفوس الصغيرة تحصي إحسانها كما يحصي التاجر نقوده فإذا نقص منها شيء اضطربت أما النفوس الكبيرة فتنثر خيرها كما تنثر الأشجار أوراقها في الخريف وهي على يقين أن الربيع سيعيد إليها أثوابها أجمل مما كانت لأنها تعرف أن خزائن الله لا تعرف الفصول
ما رأيتها يومًا تطلب من أحدٍ اعترافًا بفضلها لأنها كانت تعرف أن الحمد الذي يكتب في صحائف الملائكة أبقى من كل ثناءٍ يتردد في مجالس البشر ثم يذروه النسيان كما تذرو الريح رمادًا باردًا
كم من قلبٍ سقته من حنانها حتى اخضر ثم قطع جذوره عنها يظن أنه اكتفى وكم من روحٍ حملتها على كتفيها حتى بلغت شاطئ الأمان ثم مضت تنكر أنها عبرت يومًا بحرًا هائجًا لكن السفن لا تكره البحر إذا نجا ركابها ولا الأمطار تغضب من الأرض إذا نسيت أسماء الغيوم
وكانت كلما لقيت جحودًا ازدادت صفاءً كأن الإساءة حجر يلقى في نهرٍ عذب فلا يزيده إلا اتساعًا وتموجًا ونقاءً وكأن الله إذا أحب قلبًا علَّمه أن يجعل الأذى حطبًا لنار الفضيلة لا رمادًا يطفئها
ومن أعجب ما تعلمته منها أن العطاء لا يغيِّر حياة الآخذ وحده بل يُعيد خلق المعطي نفسه ففي كل إحسانٍ يولد في القلب باب جديد من الرحمة وفي كل تضحيةٍ تتسع الروح حتى تصبح أرحب من آلامها وأكبر من خيباتها وأغنى من كل ما فقدت
لهذا لم أعد أرى أمي امرأةً بين النساء بل رأيت فيها نهرًا يمضي منذ سنوات طويلة يسقي الضفاف التي ترميه بالحجارة ويمنح الظل لمن قطعوا أغصانه ويغسل الأقدام التي داسته ثم يواصل جريانه لأنه لا يعرف إلا أن يكون نهرًا ولو عاش بين الصحارى
وسيظل الناس يختلفون في تقدير المعروف كما تختلف العيون في تقدير الضوء أما الله فلا يختلف ميزانه ولا يضل حسابه وما كان خالصًا له يصعد إليه نقيًا كما يصعد العطر من الزهرة وإن وطئتها الأقدام
فسلامٌ على الأرواح التي لا تعرف إلا أن تحسن لأنها خلقت هينةً لينة نقيةً طيبةً لا تعرف القسوة وسلامٌ على القلوب التي تجعل من خذلان الناس سُلَّمًا ترتقي به إلى الله لا جدارًا تعتزل خلفه العالم وسلامٌ على أمي التي علمتني أن العطاء ليس فعلًا تؤديه اليد بل حالة يبلغ فيها القلب مرحلةً من الصفاء حتى يصبح شبيهًا بالغيث ينزل على الروابي والصحارى سواء ثم يمضي مطمئنًا لأنه أدى رسالته من السماء قبل أن يؤديها إلى الأرض
للتواصل: [email protected]



