قتل السباع والصيد الجائر وقطع الأشجار.. سلوكيات صنعت خللًا في التوازن البيئي وسرّعت بالتصحر وتمدد البابون نحو المنازل

✍️أ.. د. محمد شايع الشايع – إكاديمي وكاتب. بجامعة الملك سعود :
خلق الله الكون قائمًا على نظام دقيق من التوازن والتكامل، فلا يوجد كائن حي أو عنصر طبيعي إلا وله دور يؤديه في استقرار البيئة واستمرار الحياة. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، أي وفق تقدير محكم وتوازن دقيق يشمل الأعداد والأدوار والعلاقات بين المخلوقات وموائلها ومصادر غذائها وأنماط حياتها.
وعندما يتدخل الإنسان في هذا التوازن بسلوكيات لا تراعي حق الكائنات الفطرية في الوجود، كقتل الحيوانات المفترسة، أو الصيد الجائر، أو قطع الأشجار وتدمير الموائل الطبيعية، فإنه لا يضر كائنًا بعينه فحسب، بل يعبث بمنظومة مترابطة تتأثر جميع عناصرها بهذا الخلل. ومع مرور الوقت تظهر نتائج هذا التدخل في صورة مشكلات بيئية متراكمة قد يصعب علاجها، وتتحول إلى تحديات تمس الإنسان نفسه قبل غيره.
ومن هذا المنطلق، فإن ما نشهده اليوم من تمدد بعض الكائنات الفطرية، ومنها البابون، واقترابها من المناطق السكنية، لا يمكن النظر إليه باعتباره مشكلة منفصلة، بل هو أحد مظاهر اختلال التوازن البيئي الذي صنعه الإنسان بتدخلاته المتكررة في الطبيعة، وهو ما يجعل فهم الأسباب الحقيقية للمشكلة الخطوة الأولى نحو الوصول إلى حلول مستدامة تعيد للبيئة توازنها وللإنسان أمنه واستقراره.
وفي كل مرة يُثار فيها الجدل حول تمدد البابون واقترابه من القرى والمنازل والمتنزهات، يتجه النقاش غالبًا إلى الحيوان بوصفه مصدر المشكلة، بينما تكشف القراءة العلمية الدقيقة أن البابون ليس سوى عرض لخلل أعمق أصاب المنظومة البيئية بفعل ممارسات بشرية تراكمت عبر الزمن وأدت إلى اضطراب التوازن الطبيعي الذي يحكم علاقة الكائنات الحية بموائلها.
ومن أبرز صور هذا التدخل قتل المفترسات الطبيعية، أو ما يُعرف بالسباع، التي تؤدي دورًا محوريًا في ضبط أعداد الكائنات الأخرى والمحافظة على استقرار السلاسل الغذائية. وقد أسهمت ممارسات القتل غير المنظم، وما ارتبط بها من ثقافة التفاخر والعنتريات، في إضعاف هذا الدور الحيوي، مما فتح المجال أمام اختلالات بيئية انعكست على انتشار بعض الأنواع وتغير سلوكها، ومنها البابون الذي وجد في هذا الفراغ البيئي فرصة للتمدد خارج نطاقه الطبيعي.
ورغم شيوع تبرير قتل السباع والمفترسات الطبيعية باعتبارها عدوًا للإنسان أو تهديدًا مباشرًا لمواشيه، فإن هذا التبرير لا يصمد أمام الحقائق العلمية، إذ إن إقصاء المفترسات من البيئة لا يُنهي المشكلة، بل يخلق مشكلات بيئية أكبر وأكثر تعقيدًا نتيجة اختلال التوازن الطبيعي الذي تقوم عليه الأنظمة البيئية والسلاسل الغذائية، بما ينعكس لاحقًا على زيادة بعض الأنواع وتغير أنماط سلوكها وتوسع نطاق انتشارها نحو المناطق السكنية.
وفي هذا السياق، يؤكد الرئيس التنفيذي للمركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، الأستاذ الدكتور محمد علي قربان، أن معالجة المشكلة لا تكون بإقصاء المفترسات أو تحميلها مسؤولية الخلل البيئي، بل عبر إدراك دورها الطبيعي ضمن المنظومة البيئية والعمل على إدارة المخاطر بأساليب علمية ووقائية متوازنة. ويضرب مثالًا معبرًا حين يشبّه مالك الماشية بتاجر الذهب، فكما أن تاجر الذهب لا يترك ثروته مكشوفة دون وسائل حماية ثم يحمّل الآخرين مسؤولية فقدانها، فإن من يمتلك قطعانًا أو مواشي يتحمل مسؤولية تأمينها بحظائر مناسبة وإجراءات وقائية تقلل من احتمالات الافتراس والخسائر. ويعكس هذا الطرح مفهومًا حديثًا في إدارة الحياة الفطرية يقوم على التعايش وتقليل المخاطر بدلًا من إزالة عناصر التوازن البيئي التي تؤدي دورًا أساسيًا في استقرار النظم الطبيعية.
ولا يمكن فهم تمدد البابون بمعزل عن بقية العوامل البيئية المصاحبة، إذ أسهم تدهور الموائل الطبيعية نتيجة الاحتطاب الجائر، والتوسع العمراني غير المنظم، والصيد غير النظامي، في تقليص المساحات الآمنة للحياة الفطرية. ومع هذا التقلص بدأت الحيوانات في البحث عن بدائل غذائية وسكنية أقرب إلى الإنسان وأكثر سهولة في الوصول.
كما لعب الإنسان دورًا غير مباشر في تعزيز هذا السلوك عبر توفير مصادر غذائية مفتوحة، سواء من خلال إطعام البابون أو ترك النفايات ومخلفات الطعام في المتنزهات والمناطق المفتوحة والأحياء السكنية. ومع مرور الوقت تطور سلوك هذه المجموعات من الاعتماد على الغذاء الطبيعي إلى الاعتماد على الغذاء البشري، مما زاد من اقترابها من التجمعات السكانية وأوجد نمطًا من الارتباط بين وجودها والأنشطة البشرية.
وفي المقابل، يبرز دور المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية في التعامل مع هذه التحديات عبر برامج علمية وإدارية تهدف إلى إعادة التوازن البيئي، وتقليل الاحتكاك بين الإنسان والحياة الفطرية، وتعزيز مفهوم التعايش المستدام. إلا أن نجاح هذه الجهود واستدامتها يظل مرتبطًا بدرجة وعي المجتمع المحلي ومشاركته الفاعلة في معالجة الأسباب الحقيقية للمشكلة.
ومن هنا تبرز أهمية الشراكة المجتمعية في معالجة جذور المشكلة لا أعراضها فقط، وذلك من خلال التوقف عن قتل المفترسات الطبيعية، والحد من الصيد غير النظامي، والمحافظة على الغطاء النباتي، وإدارة النفايات بطريقة تمنع وصول الحيوانات إليها، وعدم إطعام البابون أو تشجيع اعتماده على الغذاء البشري، إضافة إلى تحسين تأمين الحظائر والممتلكات الحيوانية وفق معايير وقائية مناسبة، والحد من الممارسات التي تؤدي إلى تدهور الموائل الطبيعية.
إن القضية في جوهرها ليست مشكلة بابون، بل اختلال في منظومة التوازن البيئي صنعه الإنسان وساهم في تعزيزه عبر ممارسات متعددة. وعندما يكون الإنسان هو الطرف الأبرز في إحداث هذا الاختلال، فإنه يصبح أيضًا الطرف الأهم في معالجته.
فاستعادة التوازن البيئي ليست خيارًا ترفيًا، بل ضرورة لاستقرار الإنسان والطبيعة معًا. وكلما ازداد وعي الإنسان بدوره داخل هذه المنظومة، تراجعت المشكلات البيئية واستعادت الحياة الفطرية أدوارها الطبيعية. وفي النهاية، يظل الدرس الأهم أن الحفاظ على التوازن البيئي يبدأ من احترام قوانين الطبيعة، وأن الحل يبدأ من الإنسان وسلوكه قبل أي شيء آخر.
للتواصل : [email protected]



